تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 391

مساهمون:

ص٣٩١
مالك بن نويرة بعد قتله ، أو الأمر بالجهاد لتلك الصّفات ، فلا بدّ من تعيين المتّصفين بالصّفات من دليل آخر ، وإنّما قلنا أنّ أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه متّصف بتلك الصّفات لدلالة ( رواية الرّاية ) المتواترة بين الفريقين وغيرها عليه ، وإن قال هذا المتعصّب إنّها من الآحاد « 1 » . فتحصّل من جميع ما ذكرنا أنّه لم يثبت أنّ أبا بكر بعث جيشا نحو المرتدّين ؛ لأنّ المرتدّ هو الذي كفر بعد إيمانه . ولم يثبت أنّ مسيلمة وأصحابه كانوا مسلمين ثمّ كفروا ، وأمّا غيرهم من سائر الطّوائف الذين « 2 » نسبوهم إلى الارتداد ، فالظّاهر أنّهم كانوا ممتنعين من دفع زكاتهم إلى أبي بكر لإنكارهم خلافته ، لا لإنكارهم وجوب الزّكاة . ويؤيّده ما رواه العامّة من أنّ أبا بكر قال : واللّه ، لو منعوني عتودا « 3 » ممّا أدّوا إلى رسول اللّه لقاتلتهم عليه « 4 » ، ولم يقل : لو جحدوا الزّكاة لقاتلتهم . وأمّا الّذين قاتلهم أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه فكانوا من أظهر مصاديق المرتدّين ؛ لأنّ وجوب حبّ أمير المؤمنين « 5 » وكونه مع الحقّ والحقّ معه « 6 » ، كان متواترا ضروريا بين الامّة ، وكذا قوله صلّى اللّه عليه وآله : « حربك حربي ، وسلمك سلمي » « 7 » ، وغيره من النّصوص الجليّة . ولو سلّم ذلك نقول : لم يجاهد أبو بكر أحدا منهم ؛ لأنّ الظّاهر من قوله :
يُجاهِدُونَ
مباشرة الجهاد ؛ كما باشر أمير المؤمنين عليه السّلام جهاد الفرق الثّلاث ، لا القعود في البيت والرّاحة ، والأمر به ؛ كما فعله أبو بكر . وعلى تقدير التّسليم لا دلالة في الآية على اتّصاف جميع المجاهدين بتلك الصّفات حتّى تكون الآية مدحا لجميع أفراد الجيش ، بل تدل على أن جماعة ممّن لهم تلك الصفات يجاهدونهم ، وإن كان معهم أو كان رئيسهم غير متّصف بها ، بل متّصفا بضدّها . فإثبات تلك الصّفات لشخص معيّن محتاج إلى دليل خارج . ثمّ قال النّاصب المتعصّب : فثبت أنّه لا يمكن أن يكون المراد هو الرّسول ، ولا يمكن أن يكون المراد هو عليّ أيضا ؛ لأنّه لم يتّفق له قتال مع أهل الردّة ، فكيف يمكن حمل هذه الآية عليه ؟ « 8 » .
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 12 : 23 . ( 2 ) . في النسخة : التي . ( 3 ) . العتود : ما قوي وأتى عليه حول من أولاد المعزى . ( 4 ) . تفسير روح البيان 2 : 405 . ( 5 ) . راجع : فضائل الصحابة / أحمد بن حنبل 2 : 669 / 1141 ، مستدرك الحاكم 3 : 172 ، الدر المنثور 6 : 7 ، الصواعق المحرقة : 170 ، الكشاف 4 : 219 . ( 6 ) . راجع : تاريخ بغداد 14 : 321 ، ترجمة علي عليه السّلام من تاريخ دمشق 3 : 153 / 1172 . ( 7 ) . شرح نهج البلاغة / لابن أبي الحديد 2 : 297 . ( 8 ) . تفسير الرازي 12 : 21 .