تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 390

مساهمون:

ص٣٩٠
أقول فيه : إنّه صلّى اللّه عليه وآله قد جاهد الأسود العنسي المرتدّ بالمعنى الذي ذكره و [ كما ] اتّفق لأبي بكر ، لأنّه صلّى اللّه عليه وآله على ما نقله هو في تفسيره ، وغيره من العامّة ، قالوا : إنّ بني مدلج ارتدّوا في زمانه ، وكان رئيسهم ذو الحمار ، وهو الأسود العنسي ، وكان كاهنا ادّعى النّبوّة في اليمن ، واستولى على بلادها ، وأخرج عمّال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، فكتب صلّى اللّه عليه وآله إلى معاذ بن جبل وسادات اليمن ، فأهلكه اللّه على يد فيروز الدّيلمي ؛ دخل بيته فقتله ، وأخبر رسول اللّه بقتله ليلة قتل ، فسرّ المسلمون ، وقبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله من الغد ، وأتى خبره في آخر شهر ربيع الأول « 1 » . ثمّ قال الناصب : ولأنّه تعالى قال :
فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ ،
وهذا للاستقبال لا للحال ، فوجب أن يكون هؤلاء القوم غير موجودين في وقت نزول هذا الخطاب ، فإن قيل : هذا لازم عليكم لأنّ أبا بكر كان موجودا في ذلك الوقت ، قلنا : الجواب من وجهين ؛ الأوّل : أنّ القوم الّذين قاتل بهم أبو بكر أهل الردّة ما كانوا موجودين في الحال « 2 » . أقول فيه : إنّه لا شبهة أنّ نزول هذه السّورة والآية كان في أواخر عمر النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، وكانت مدّة خلافة أبي بكر سنتين وستّة أشهر تقريبا ، فلا بدّ من أن يكون عامّة جيش أبي بكر موجودين في زمان النّزول . وأمّا جهاد أمير المؤمنين عليه السّلام مع المرتدّين فإنّه كان بعد أزيد من ثلاثين سنة من زمان الخطاب ، فيمكن أن يقال أنّ أغلب جيشه عليه السّلام لم يكونوا موجودين في زمان نزول الآية ، فظهر ممّا ذكر أنّه لا يمكن أن يقال بصدق الآية على جيش أبي بكر ونزولها في شأنه . ثمّ قال : والثاني : أنّ معنى الآية : فسوف يأتي اللّه بقوم قادرين متمكّنين من هذا الحراب ، وأبو بكر وإن كان موجودا في ذلك الوقت إلّا أنّه ما كان مستقلا في ذلك الوقت بالحراب والأمر والنّهي ، فزال السّؤال « 3 » . أقول : كان الأولى أن يقول : إن المراد من الآية : فسوف يبعث [ اللّه ] قوما يحبّهم ويحبّونه ، لا سوف يوجد قوما ، مع أن الآية - على تقدير دلالتها على قيام قوم تكون لهم تلك الصّفات بجهاد خصوص المرتدّين ، وعلى تقدير تسليم كون الأمر بالجهاد ، ولو لم يلتبس به مجاهد ، حقيقة - لا تدلّ على كون كلّ من جاهدهم واجدا لتلك الصّفات ، بحيث لا يكون معهم غيرهم ، بل الظّاهر إرادة أن جماعة ممّن لهم هذه الصّفات يجاهدونهم ، وإن كان معهم غيرهم ممّن كان متّصفا بضدّ تلك الصّفات . فلا تدلّ الآية على اتّصاف كلّ فرد من أفراد جيش أبي بكر حتّى خالد بن الوليد الذي نكح زوجة
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 12 : 18 . ( 2 ) . تفسير الرازي 12 : 20 . ( 3 ) . تفسير الرازي 12 : 20 .