تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 389

مساهمون:

ص٣٨٩
أنا أشتريها بألف ، فأبى الرّجل ، فلم يزل يزيد في الفداء إلى أن بلغ عشرة آلاف ، فأبى الرّجل إلّا القصاص ، فاستنظر عمر فأنظره ، فهرب إلى الرّوم وارتدّ « 1 » . ولم يقتله أحد . والقول بأنّ حكم الواحد ليس حكم الجماعة شطط من الكلام ، نعم لا يبعد دلالتها على أنّه يكون في كلّ زمان جماعة متّصفة بالصّفات الكريمة المذكورة في الآية ، وقد كان بعد النبيّ صلّى اللّه عليه وآله - وحين ارتداد المسلمين بإنكارهم النصّ الجليّ - جماعة متّصفة بالصّفات كأمير المؤمنين ، وسلمان ، وأبي ذرّ ، والمقداد ، وعمّار ، ولكن لم يكن صلاح الإسلام في جهادهم ، وإلّا كانوا يجاهدون ولا يخافون في اللّه لومة لائم ، كما لم يكن صلاح الدّين في إقدام النبيّ صلّى اللّه عليه وآله في جهاد المنافقين مع كثرتهم في زمانه ، بل في جهاد المشركين قبل الهجرة . ثمّ قال النّاصب : هذه الآية مختصّة بمحاربة المرتدّين ، وأبو بكر هو الّذي تولّى محاربة المرتدّين « 2 » . أقول : لم يجاهد أبو بكر أحدا من المرتدّين ، وإنّما حاربهم جيش المسلمين بأمر أبي بكر ، ولم يكن هو في الجيش ، بل لم يكن من حارب جيش أبي بكر من المرتدّين ، بل كانوا منكرين لخلافته ، وإنّما منعوه من الزّكاة بدعوى عدم أهليّته لأخذها ، فاتّهمهم بالارتداد وإنكار وجوبها ، حيث نقل أنّهم قالوا : أمّا الصّلاة فنصلّي ، وأمّا الزّكاة فلا تغصب أموالنا . روي عن أنس بن مالك أنّه قال : كرهت الصّحابة قتال مانعي الزّكاة ، وقالوا : هم أهل القبلة ، فتقلّد أبو بكر سيفه وخرج وحده ، فلم يجدوا بدّا من الخروج على أثره « 3 » . نعم بعث خالد بن الوليد في جيش كثير إلى مسيلمة حتّى أهلكه اللّه على يد وحشي قاتل حمزة سيّد الشّهداء ، وكان يقول : قتلت خير النّاس في الجاهليّة ، وشرّهم في الإسلام « 4 » . فكان الأولى أن يقول النّاصب : إنّ الآية نزلت في خالد بن الوليد ، ووحشي - وهو ممّا يضحك به الثّكلى ، لوضوح أنّ خالدا كان ممّن يبغضه اللّه « 5 » - لأنّ صدق المجاهد عليهما حقيقة ، وعلى أبي بكر مجاز بعلاقة السّببيّة ، كما أنّ صدقه على أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه وأصحابه - عند محاربتهم الفرق الثّلاث المنكرين للنصّ الجليّ على وجوب موالاة عليّ عليه السّلام وأشياعه - حقيقة ، وعلى الرّسول صلّى اللّه عليه وآله الآمر له بجهادهم مجاز . ثمّ قال النّاصب : ولا يمكن أن يكون المراد هو الرّسول ؛ لأنّه لم يتّفق له محاربة المرتدّين « 6 » .
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 12 : 19 . ( 2 ) . تفسير الرازي 12 : 20 . ( 3 و 4 ) . تفسير روح البيان 2 : 405 . ( 5 ) . زاد في النسخة : ويبغضه . ( 6 ) . تفسير الرازي 12 : 20 .