أقول : قد ظهر وثبت ممّا ذكرنا أنّ عليّا عليه السّلام وجماعة من أصحابه كانوا من أظهر المتّصفين بالصّفات المذكورة في الآية ، وأنّ الفرق الثّلاث الّذين قاتلهم صلوات اللّه عليه من أظهر مصاديق المرتدّين ، ولم يثبت للآية مورد انطباق [ على ] غيرهم .
ثمّ قال النّاصب : فإن قالوا : بل كان قتاله مع أهل الرّدّة ؛ لأنّ كلّ من نازعه في الإمامة كان مرتدّا .
قلنا : هذا باطل من وجهين ؛ الأوّل : أنّ اسم المرتدّ إنّما يتناول من كان تاركا للشّرائع الإسلاميّة ، والقوم الّذين نازعوا عليّا ما كانوا كذلك في الظّاهر ، وما كان أحد يقول إنّه يحاربهم لأنّهم خرجوا من دين الإسلام ، وعليّ لم يسمّهم البتّة بالمرتدّين ، فهذا الذي يقوله الرّوافض ( لعنهم اللّه ) بهت على جميع المسلمين ، وعلى عليّ أيضا « 1 » .
أقول : إن كان المراد من تارك الشّرائع : جميعها ، فلم يكن تارك الزّكاة وحدها مرتدّا ، مع أنّه وأصحابه سمّوا مانعي الزّكاة مرتدّين . وإن كان المراد : تارك بعضها ، فتارك طاعة الإمام ، وتارك حبّ عليّ ، ومستحلّ قتاله يكون مرتدّا .
وأمّا قوله : إنّ عليّا لم يسمّهم بالمرتدّين « 2 » ، ففيه : أنّ النّاصب مع طول باعه لم يفهم ترادف لفظ المرتدّ والمارق من الدّين ؛ لأنّ اللّه طبع على قلبه ، أو لعدم اطّلاعه على أنّ الرّسول صلّى اللّه عليه وآله وعليّا وعامّة المسلمين سمّوا الخوارج مارقين ؛ لأنّهم مرقوا ، أي خرجوا من دين اللّه ، واستحلّوا قتال خليفة رسول اللّه . فإنكار النّاصب ( لعنه اللّه ) ارتدادهم - بل ارتداد الفرق الثّلاث الّذين دانوا ببغض عليّ عليه السّلام - مكابرة وإنكار للضّروري بين المسلمين .
ثمّ قال النّاصب : [ الثاني : أنّه ] لو كان كلّ من نازعه في الإمامة كان مرتدّا ، لزم في أبي بكر وفي قومه أن يكونوا مرتدّين ، ولو كان كذلك لوجب بحكم ظاهر الآية أن يأتي اللّه بقوم يقهرونهم ويردّونهم إلى الدّين الصّحيح ، ولمّا لم يوجد ذلك البتّة ، علمنا أنّ منازعة عليّ في الإمامة لا تكون ردّة ، وإذا لم تكن ردّة ، لم يمكن حمل الآية على عليّ ؛ لأنّها نازلة في من يحارب المرتدّين « 3 » .
أقول : نحن نلتزم باللازم الذي ذكره ، بل نقول : إنّه وأخوه لم يؤمنا باللّه طرفة عين ، كما أن عليّا عليه السّلام لم يكفر باللّه طرفة عين ، وأمّا قوله : لو كان كذلك . . . إلى آخره ، ففيه : أنّ الآية لا تدلّ على وجوب إتيان قوم يردّونهم إلى الدّين ، وإلّا لما وجد مرتدّ في العالم ، وهو خلاف الوجدان - كما ذكرنا سابقا - مع أنّه نسب ابن أبي الحديد إلى المعتزلة أنّهم يقولون : إنّ عليّا عليه السّلام رضي بخلافة الثّلاثة ، ولم ينازعهم
هامش
( 1 و 2 ) . تفسير الرازي 12 : 21 .
( 3 ) . تفسير الرازي 12 : 21 .