ثمّ بالغ في التّرغيب إلى الهجرة بقوله :
وَمَنْ يُهاجِرْ
من دار الشّرك إلى دار الإسلام
فِي سَبِيلِ اللَّهِ
ولطلب مرضاته ، وحفظ دينه
يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً
ومنازل كثيرة النّعمة والرّاحة ، بحيث يوجب رغم أنف الأعداء ، ويكون
كَثِيراً
يظفر بها بسهولة
وَ
يجد
سَعَةً
في الرّزق وإظهار الدّين .
ولمّا كان مجال توهّم أنّ فائدة الهجرة فيما إذا بلغ المقصد ، دون ما إذا مات في الطريق ، كجندب بن ضمرة « 1 » ، دفعه اللّه بقوله :
وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ
حال كونه
مُهاجِراً
ومفارقا وطنه وعشيرته ، متوجّها
إِلَى
طاعة
اللَّهِ
وحده ،
وَ
خدمة
رَسُولِهِ
أو بلد يتمكّن فيه من القيام بوظائف دينه
ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ
في الطّريق
فَقَدْ وَقَعَ
وثبت
أَجْرُهُ
وثوابه
عَلَى اللَّهِ
.
ثمّ قرّر الوعد بقوله :
وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً
لما سبق من التّهاون في الهجرة إلى أن خروجه
رَحِيماً
بإكمال ثواب هجرته .
في هجرة جندب بن ضمرة من مكة
روي أنّ جندب بن ضمرة لمّا أشرف على الموت في التّنعيم « 2 » ، أخذ يصفق بيمينه على شماله ، ثمّ قال : اللّهمّ هذه لك ، وهذه لرسولك ، أبايعك على ما بايعك عليه رسولك . فمات حميدا ، فلمّا بلغ خبره أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله قالوا : لو توفّي في المدينة لكان أتمّ أجرا . وقال المشركون وهم يضحكون : ما أدرك هذا ما طلب ، فأنزل اللّه هذه الآية « 3 » .
عن محمّد بن أبي عمير ، قال : وجّه زرارة بن أعين ابنه عبيدا « 4 » إلى المدينة يستخبر خبر أبي الحسن موسى بن جعفر عليهما السّلام ، وعبد اللّه « 5 » ، فمات قبل أن يرجع إليه عبيد ، قال ابن أبي عمير : حدّثني محمّد بن حكيم ، قال : ذكرت لأبي الحسن عليه السّلام توجّه عبيد إلى المدينة فقال : « إنّي لأرجو أن يكون زرارة ممّن
هامش
( 1 ) . تقدّم ذكره في تفسير الآية ( 98 ) من هذه السورة .
( 2 ) . التّنعيم : موضع على فرسخين من مكة وقيل : على أربعة .
( 3 ) . تفسير روح البيان 2 : 271 .
( 4 ) . في النسخة : عبيد اللّه ، في جميع المواضع ، تصحيف ، انظر : رجال الكشي : 155 / 255 .
( 5 ) . هو عبد اللّه بن جعفر ، المعروف بالأفطح ، وقد ادّعى الإمامة بعد أبيه الصادق عليه السّلام ، فهجرته الشيعة بعد أن امتحنوه فلم يروا فيه مواصفات الإمامة كالعصمة والعلم والدلائل وغيرها ، وبعد أن تحققوا من النصّ على الإمام موسى الكاظم عليه السّلام بعد أبيه الصادق عليه السّلام .