الحبشة ، فأنتم بهوى أنفسكم مع قدرتكم على الهجرة ، بقيتم في دار الشّرك وأرض الكفر .
فبعد إتمام الحجّة عليهم أو عدّهم بقوله :
فَأُولئِكَ
الّذين تعمّدوا في ترك الهجرة ، وقصّروا في تعلّم الدّين والعمل بالأحكام
مَأْواهُمْ
ومنزلتهم
جَهَنَّمُ
في الآخرة ، كما كان مأواهم دار الشّرك في الدّنيا ، ومصيرهم ومنقلبهم النّار
وَساءَتْ مَصِيراً
ومنقلبا لهم .
قيل : إنّ جمعا من المسلمين لم يهاجروا من مكّة إلى المدينة ، ثمّ خرجوا مع المشركين إلى بدر فقتلوا فيها ، فضربت الملائكة وجوههم وأدبارهم ، وقالوا لهم ما قالوا « 1 » .
وعن الباقر عليه السّلام : « هم قيس بن الفاكة بن المغيرة ، والحارث بن زمعة بن الأسود ، وقيس بن الوليد بن المغيرة ، وأبو العاص بن المنبّه بن الحجاج ، وعليّ بن أمية بن خلف » « 2 » .
وعن القمّي رحمه اللّه : نزلت في من اعتزل أمير المؤمنين عليه السّلام ولم يقاتلوا معه ، فقالت الملائكة لهم عند الموت :
فِيمَ كُنْتُمْ ؟
قالوا : كنّا مستضعفين في الأرض ، أي لم نعلم مع من الحقّ ، فقال اللّه :
أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها
أي دين اللّه وكتابه واسع ، فتنظروا فيه « 3 » .
أقول : هذه الرّواية تأويل ، والسّابقة تنزيل .
عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله : « من فرّ بدينه من أرض إلى أرض ، وإن كان شبرا من الأرض ، وجبت له الجنّة » « 4 » .
وفي ( نهج البلاغة ) ، قال : « لا يقع اسم الاستضعاف على من بلغته الحجّة فسمعتها اذنه ، ووعاها قلبه » « 5 » .
وعن الكاظم عليه السّلام أنّه سئل عن الضّعفاء ؟ فكتب : « المستضعف من لم ترفع [ إليه ] حجّة ، ولم يعرف الاختلاف ، فإذا عرف الاختلاف فليس بمستضعف » « 6 » .
[ سورة النساء ( 4 ) : آية 98 ]
إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً ( 98 )
ثمّ استثنى اللّه تعالى من الوعيد غير القادرين على الهجرة بقوله :
إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ
والمقهورين في أيدي الكفّار
مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ
الّذين
لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً
ولا يتمكّنون تدبيرا للخروج من بلد الكفر ، ولا يملكون نفقة للسّفر ، أو لا يقدرون على حركة للمرض
وَلا
هامش
( 1 ) . تفسير أبي السعود 2 : 223 ، تفسير روح البيان 2 : 269 .
( 2 ) . مجمع البيان 3 : 150 ، تفسير الصافي 1 : 453 .
( 3 ) . تفسير القمي 1 : 149 ، تفسير الصافي 1 : 453 .
( 4 ) . تفسير أبي السعود 2 : 223 ، تفسير الصافي 1 : 454 .
( 5 ) . نهج البلاغة : 280 / 189 ، تفسير الصافي 1 : 453 .
( 6 ) . الكافي 2 : 299 / 11 ، تفسير الصافي 1 : 454 .