تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 270

مساهمون:

ص٢٧٠
اللّه صلّى اللّه عليه وآله لوضوح أنّ الكمال الذي أوجب استحقاق منصب الرّسالة كمال لا يكافئه شيء . ولذا لا يمكن أن يقال بأفضليّة المجاهد على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وإن كان من القاعدين ، ووجب القول بأفضليّة المجاهد على غيره صلّى اللّه عليه وآله . إذا تمهّد ذلك فنقول : لا شبهة أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام كان أفضل المجاهدين ، فيجب أن يحكم بأنّه أفضل من أبي بكر وأضرابه من القاعدين ، كما استدلّ أصحابنا رضوان اللّه عليهم بهذه الآية عليها . واعتراض الفخر الرازي عليه بلزوم أفضليّة أمير المؤمنين على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله من الخرفات التي لا ينبغي صدورها من ذي مسكة لما ذكرنا . وأمّا قوله : إنّ أبي بكر كان مجاهدا في سبيل اللّه ، فغير ثابت ، إن لم يثبت كونه من الفارّين من الجهاد في أحد « 1 » . وأمّا كونه مجاهدا بدعوة النّاس إلى الإسلام ، ولذا أسلم بدعوته جمع من الصّحابة ، كما قال المعترض ، فغير معلوم أيضا ، لعدم دلالة دليل قاطع عليه ، وعلى تقدير ثبوته لم تكن دعوته أكثر من دعوة عليّ عليه السّلام ، وقد ثبت بالرّوايات المسلّمة بين الخاصّة والعامّة أنّه المراد من قوله :
وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ
« 2 » . وليت شعري من أين علم هذا الرّجل المتعصّب مبالغة أبي بكر في إسلام سائر النّاس ! وقوله بأنّه أسلم بدعوته عدّة قليلة من الصّحابة ، على تقدير تسليمه ، لا يدلّ على مبالغته في الدّعوة ، وادّعائه أنّه صرف ماله ونفسه في الذّبّ عن النبيّ ، فدعوى بلا برهان ، مع ثبوت بخله بصدقة
هامش
( 1 ) . لقد اتفقت كتب السيرة والتاريخ أنه لم يبق مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يوم أحد عند هزيمة الناس إلّا أمير المؤمنين عليه السّلام وأبو دجانة ، وسهل بن حنيف ، وقيل : عبد اللّه بن مسعود ، وكان لأمير المؤمنين عليه السّلام الفضل في ردّ الكتائب وقتل أصحاب الألوية من المشركين ، ومن ثم في ثبات من ثبت من المسلمين ، فنادت الملائكة بفضله : ( لا سيف إلّا ذو الفقار ، ولا فتى إلّا علي ) وتباهوا بعظيم منزلته في مواساة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ( راجع : تاريخ الطبري 2 : 514 ، ومجمع الزوائد 6 : 114 ، وشرح بن أبي الحديد 13 : 261 و 14 : 250 ) . قال ابن عباس : لعلي عليه السّلام أربع خصال ليست لأحد . . . وعدّ منها صبره مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يوم فرّ النّاس عنه في أحد ( راجع مستدرك الحاكم 3 : 111 ، الاستيعاب 3 : 27 ، شرح ابن أبي الحديد 4 : 116 ) . وفي حنين لم يبق مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله غير تسعة نفر من بني هاشم ، وكان على رأسهم أمير المؤمنين عليه السّلام ، وعاشرهم أيمن بن أم أيمن الذي استشهد فيها . وفي خيبر بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله أبا بكر بالراية إلى خيبر فانهزم ولم يكن فتح ، وبعث بعده عمر فرجع يجبّن أصحابه ويجبّنونه ( تاريخ الطبري 3 : 12 ، مستدرك الحاكم 3 : 37 ) فقال صلّى اللّه عليه وآله : « لأعطينّ الراية غدا رجلا يحبّ اللّه ورسوله ، ويحبّه اللّه ورسوله ، كرارا غير فرار » فأعطاها أمير المؤمنين عليه السّلام وكان الفتح على يديه ( راجع : البداية والنهاية 7 : 349 ، وأسد الغابة 4 : 21 ، وحلية الأولياء 1 : 62 ) . وأخرج البخاري حديث الراية في الصحيح ج 5 ص 87 ، كتاب المناقب - باب مناقب علي عليه السّلام حديث 197 وص 279 من نفس الجزء - كتاب المغازي - باب غزوة خيبر . وأخرجه مسلم في الصحيح 4 : 1871 ، كتاب فضائل الصحابة - باب فضائل علي عليه السّلام . ( 2 ) . هود : 11 / 17 .
نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 270 | الشيخ محمد النهاوندي