[ سورة النساء ( 4 ) : آية 31 ]
إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً ( 31 )
ثمّ بالغ سبحانه في إظهار رحمته ورأفته بالمؤمنين ، وترغيبه في الطّاعة بقوله :
إِنْ تَجْتَنِبُوا
وتحترزوا
كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ
من القبائح
نُكَفِّرْ عَنْكُمْ
ونغفر لكم
سَيِّئاتِكُمْ
الصّغيرة ، وذنوبكم الحقيرة
وَنُدْخِلْكُمْ
في الآخرة
مُدْخَلًا
ومنزلا
كَرِيماً
وحسنا مرضيّا .
قيل : إنّ المراد : إدخالا مع كرامة « 1 » .
في بيان الكبائر وعددها
عن الباقر عليه السّلام ، أنّه سئل عن الكبائر ، فقال : « كلّ ما أوعد اللّه عليه النّار » « 2 » .
وعن الصادق عليه السّلام : « الكبائر التي أوجب اللّه عليها النّار » « 3 » .
وعنه عليه السّلام ، في هذه الآية : « من أجتنب ما أوعد اللّه عليه النّار ، إذا كان مؤمنا ، كفّر اللّه عنه سيّئاته ويدخله مدخلا كريما ، والكبائر السّبع الموجبات : قتل النّفس الحرام ، وعقوق الوالدين ، وأكل الرّبا ، والتّعرّب بعد الهجرة ، وقذف المحصنة ، وأكل مال اليتيم ، والفرار من الزّحف » « 4 » .
أقول : لا شبهة في وجود المعصية الصّغيرة ، وبطلان ادّعاء أنّ جميع المعاصي كبائر ، لظهور الكتاب ، وصراحة كثير من الأخبار في وجود القسمين للمعاصي .
وما عن ابن عبّاس رضى اللّه عنه : - من أنّ كلّ ما عصي اللّه فيه فهو كبيرة ، فمن عمل منها شيئا فليستغفر اللّه « 5 » - فمحمول على إرادة وجوب احتراز العبد عن جميع المعاصي ، والاستغفار منه إذا ارتكب شيئا منها ، ولا يجوز له التّهاون بها .
ثمّ لا ريب أنّ جميع الكبائر ليست على حدّ واحد ، بل بعضها أكبر من بعض ، لوضوح أنّ قتل النّفس أكبر من أكل مال اليتيم ، ولعلّ أكل مال اليتيم أكبر من أكل الرّبا ، والفرار من الزّحف أكبر من قذف المحصنة ، إلى غير ذلك .
فالميزان الثّابت بالأخبار للكبائر هو ما أوعد اللّه عليه النّار ، وإن كان الوعيد بالدّلالة الالتزاميّة ، وما ذكر في الأخبار من عدد الكبائر من السّبع ، فمحمول على بيان أكبر الكبائر .
وهذا القول منقول عن ابن عبّاس أيضا ، واعتراض الفخر الرازي عليه - بأنّ كلّ ذنب متعلّق للذّمّ في العاجل والعقاب في الآجل « 6 » ، فلا تبقى صغيرة - شطط من الكلام ، لوضوح عدم ذكر كثير من
هامش
( 1 ) . تفسير الصافي 1 : 411 .
( 2 ) . تفسير العياشي 1 : 393 / 957 ، تفسير الصافي 1 : 411 .
( 3 ) . الكافي 2 : 211 / 1 ، تفسير الصافي 1 : 411 .
( 4 ) . ثواب الأعمال 130 ، تفسير الصافي 1 : 411 .
( 5 ) . تفسير الرازي 10 : 73 .
( 6 ) . تفسير الرازي 10 : 74 .