تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
المحرّمات كالاستمناء والقبلة وأمثالهما في القرآن .

[ سورة النساء ( 4 ) : آية 32 ]

وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ( 32 ) ثمّ - لمّا كان عدم الرّضا بما قسمه اللّه لخلقه موجبا للحسد ، وأخذ الأموال بالباطل ، وقتل النّفوس المحترمة بغير الحقّ - نهى اللّه سبحانه عن الطّمع في ما في أيدي النّاس وتمنّيه ، بقوله :
وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ
من الأموال والأولاد والجاه ممّا يجري التّنافس فيه ، فإنّ ذلك قسمة من اللّه صادرة عن تدبير لائق بأحوال العباد ، مترتّبة على الإحاطة بجلائل شؤونهم ودقائقها . فكلّ ما كنتم فاقدين له من الأمور الدّنيويّة وكان غيركم واجدا له ، فلعلّ عدمه خير لكم ، فعلى كلّ أحد من المفضّل والمفضّل عليه أن يرضى بما قسم له ، ولا يتمنّى المفضّل عليه حظّ المفضّل ، ولا يحسده عليه ؛ لأنّه معارضة لحكمة المقدّر ، فإنّ الأنصباء كالأشكال والصّور ، وكما أنّ الأشكال والصّور واختلافهما بمقتضى الحكمة الإلهيّة لا يطّلع على سرّها أحد ، فكذلك الاقسام والأنصباء . عن الصادق عليه السّلام ، في تفسير الآية : « أي لا يقل أحدكم : ليت ما أعطي فلان من المال والنّعمة والمرأة الحسناء كان لي ، فإنّ ذلك يكون حسدا ، ولكن يجوز أن يقول : اللّهمّ أعطني مثله » « 1 » . أقول : وممّا ينبغي أن يقول : اللّهمّ أعطني ما فيه صلاح دنياي وآخرتي ، بل أحسن الأدعية ما علّمه اللّه عباده في كتابه المجيد من قوله :
رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً
« 2 » . وقيل : إنّ وجه النّظم أنّه تعالى بعدما أمر بتطهير الجوارح من أقبح القبائح ، وهو أخذ المال بالباطل ، وقتل النّفس المحترمة ، أمر بتطهير القلب من أرذل الصّفات ، وهو الحسد على ما أعطاه اللّه غيره ، ليصير الباطن موافقا للظّاهر في الطّهارة من الذّمائم « 3 » . ثمّ علّل سبحانه النّهي عن التّمنّي بقوله :
لِلرِّجالِ نَصِيبٌ
وحظّ معين لا يتخطّاه
مِمَّا اكْتَسَبُوا
بأعمالهم وصلاح حالهم ، من النّعم الدّنيوية والاخرويّة
وَلِلنِّساءِ
أيضا
نَصِيبٌ
وحظّ
مِمَّا اكْتَسَبْنَ
فاطلبوا ما تريدون بالأعمال ، لا بالتّمنّي والحسد
وَسْئَلُوا اللَّهَ
بعضا
مِنْ فَضْلِهِ
والتمسوا من جميع ما تحبّونه وتحتاجون إليه من خزائن جوده ورحمته التي لا تنفد ، فإن أعطاكم وأجاب سؤلكم فاشكروه ، وإن منعكم فارضوا بما قسمه لكم ، فإنّه ليس إلّا لعلمه بصلاحكم
إِنَّ اللَّهَ
هامش
( 1 ) . مجمع البيان 3 : 64 ، تفسير الصافي 1 : 413 . ( 2 ) . البقرة : 2 / 201 . ( 3 ) . تفسير الرازي 10 : 80 .