أقول : الظّاهر أنّ المنع من المال القليل في الرّواية ، ومن الدّنانير والدّراهم في السابقة ، لعدم الزّحمة في حفظها ، وعدم مزاحمته لاشتغاله بكسبه ، وعليه لو أتّجر بالنّقدين ، أو بالمال القليل ، وكان الاتّجار بهم شاغلا له عن التّكسّب لنفسه ، فلا بأس بالأكل منها .
وفي ( الكافي ) : عن الصادق عليه السّلام : « المعروف هو القوت ، وإنّما عنى الوصيّ والقيّم في أموالهم وما يصلحهم » « 1 » .
عن الباقر عليه السّلام : « من كان فقيرا فليأخذ من مال اليتيم قدر الحاجة والكفاية ، على جهة القرض ، ثمّ يردّ عليه ما أخذ إذا وجد » « 2 » .
أقول : على تقدير كون المراد هو الوليّ أو القيّم الفقير دون غيرهما ، لا بدّ من حمله على النّدب ، كما أنّه يمكن حمل النّهي عن أكل الوليّ الغنيّ على الكراهة ، لإشعار مادّة الاستعفاف ، ومعنى التّنزّه بها ، وأدلة احترام عمل المسلم ، ونفي الضّرر . وعليه يجوز للغنيّ الأكل بمقدار اجرة عملة ، والأحوط التّجنّب .
ثمّ أمر اللّه تعالى الأولياء - لطفا بهم ، وحفظا لهم عن التّهمة ، وسدّا لباب الخصومة - بالإشهاد على دفع أموال اليتامى إليهم ، بقوله :
فَإِذا دَفَعْتُمْ
وسلّمتم
إِلَيْهِمْ
بعد البلوغ والرّشد
أَمْوالَهُمْ
جميعا بلا نقص وتفريط
فَأَشْهِدُوا
شاهدين عدلين
عَلَيْهِمْ
بأنّكم سلّمتم إليهم جميع ما كان لهم عندكم ، وأنّهم تسلّموه وبرئت ذممكم عنه ، حتّى لا ترموا بالخيانة ، ولا تبتلوا بالخصومة .
أقول : الظّاهر أنّ الأمر بالإشهاد للإرشاد ، لا الإيجاب المولوي . قيل : بدلالته على عدم قبول دعوى الرّدّ من الوليّ والقيّم إلّا بالبيّنة ، وفيه تأمّل .
ثمّ نبّه سبحانه على أن الإشهاد طريق التّخلّص من خصومة الخلق لا الخالق ، بقوله :
وَكَفى
لليتيم
بِاللَّهِ حَسِيباً
فيحاسبكم في محضر عدله ، ويخاصمكم على ما صدر منكم من الخيانة ، ويؤاخذكم بالنّقير والقطمير ، ويعاقبكم على ما دقّ وخفي من التّفريط والخيانة في أموال النّاس وحقوقهم ، فلا تقصّروا في حفظ أموال الأيتام وغيرهم ، ولا تخونوا في أمانة اللّه ، ولا تجاوزوا ما حدّ لكم في دينه وشريعته .
[ سورة النساء ( 4 ) : آية 7 ]
لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً ( 7 )
هامش
( 1 ) . الكافي 5 : 130 / 3 ، تفسير الصافي 1 : 391 .
( 2 ) . مجمع البيان 3 : 17 ، تفسير الصافي 1 : 392 .