ثمّ لمّا بيّن اللّه سبحانه حقوق اليتامى والزّوجات والسّفهاء ، شرع في بيان حقوق الأولاد والأقارب ، قيل : إنّ أهل الجاهليّة كانوا لا يورّثون النّساء والأطفال ، وكانوا يقولون : لا يرث إلّا من طاعن بالرّمح ، وذاد عن الحوزة ، وحاز الغنيمة « 1 » ، فأبطل اللّه تعالى هذا الحكم ، وشرّك النّساء مع الرّجال في الإرث بقوله :
لِلرِّجالِ
من الأولاد والأقارب
نَصِيبٌ
وحظ
مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ
المتوارثون من الأموال والحقوق الماليّة
وَلِلنِّساءِ
منهم أيضا
نَصِيبٌ
وحظّ معلوم
مِمَّا تَرَكَ
وخلّف
الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ
.
وفي ذكر حكم إرث النّساء استقلالا بعد ذكر حكم الرّجال ، إيذان بكمال العناية بشأنهنّ ، ومبالغة في إبطال حكم الجاهليّة .
ثمّ أكّد سبحانه تعميم نصيبهنّ في جميع التّركة بقوله :
مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ
ودقّ أو جلّ .
قيل : فيه إبطال لحكم بعض العرب من عدم توريث النّساء من آلات الكسب والحرب ، وتخصيصهما بالرّجال .
ثمّ بالغ سبحانه في تأكيد ثبوت النّصيب لكلّ من الفريقين بقوله :
نَصِيباً
وقسما
مَفْرُوضاً ،
وثانيا واجبا من اللّه لهم ، لا يسقط بإسقاطهم ، ولا بوصيّة الميّت بعدم إعطائهم .
في بيان شأن نزول الآية
عن ابن عبّاس رضى اللّه عنه ، في شأن نزول الآية : أنّ أوس بن ثابت الأنصاري توفّي عن ثلاث بنات وزوجة يقال لها امّ كحّة ، فجاء رجلان من بني عمّة ، وهما وصيّان له ، يقال لهما سويد وعرفجة - وفي رواية : اسمهما قتادة وعرفطة - وأخذا ماله ، فجاءت أم كحّة زوجة أوس إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وذكرت القصّة ، وذكرت أنّ الوصيّين ما دفعا « 2 » إلى بناته شيئا من المال ، فقال النبيّ صلّى اللّه عليه وآله : « ارجعي إلى بيتك حتّى انظر ما يحدث اللّه في أمرك » .
فنزلت الآية ، ودلّت على أنّ للرّجال نصيبا ، وللنّساء نصيب ، ولكنّه تعالى لم يبيّن المقدار في هذه الآية ، فأرسل الرّسول صلّى اللّه عليه وآله إلى الوصيّين وقال : « لا تقربا من مال أوس شيئا . ثمّ نزل بعد
يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ
« 3 » وفرض الزّوج ، وفرض المرأة ، فأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله الوصيّين أن يدفعا إلى المرأة الثّمن ويمسكا نصيب البنات ، وبعد ذلك أرسل إليهما « أن ادفعا نصيب بناتها إليها » فدفعاه إليها « 4 » .
قيل : لمّا كانت عادة العرب عدم توريث النّساء ، وكان نقلهم عن تلك العادة دفعة إلى التّوريث بالسّهام المفروضة ثقيلا على طباعهم ، عظيما في قلوبهم ، ذكر سبحانه أوّلا في هذه الآية نصيبهنّ
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 9 : 194 ، تفسير أبي السعود 2 : 146 .
( 2 ) . زاد في تفسير الرازي : إليّ شيئا ، وما دفعا .
( 3 ) . النساء : 4 / 11 .
( 4 ) . تفسير الرازي 9 : 194 ، تفسير البيضاوي 1 : 202 ، تفسير أبي السعود 2 : 147 .