ثمّ بالغ سبحانه في حثّ المؤمنين على التّوكّل ، بتوجيه الخطاب إليهم تشريفا لهم وتحبيبا ، بقوله :
إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ
أيّها المؤمنون على أعدائكم ، كما نصركم يوم بدر
فَلا غالِبَ لَكُمْ
من الموجودات ، ولا قاهر عليكم من الممكنات ، بل أنتم الغالبون القاهرون
وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ
اللّه ، ويترك نصركم ، ويخلّي بينكم وبين الأعداء ، كما خذلكم يوم أحد
فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ
على الأعداء ، ويقدر على عونكم في الأمور
مِنْ بَعْدِهِ
وعند خذلانه .
ثمّ بعد التّنبيه على أنّ جميع الأمور من النّصر ، والخذلان ، وغيرهما ، بإرادة اللّه وقضائه ، أكّد وجوب التوكل على عباده ، بقوله :
وَعَلَى اللَّهِ
وحده دون غيره
استقلالا وتشريكا
فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
كلّهم في كلّ الأمور ، وليعتمد على لطفه العارفون ، لاستلزام العرفان والإيمان به ، سلب القدرة عن النّفس ، وتفويض الأمور إليه ، والاعتماد بلطفه وفضله .
في فضيلة التوكل
عن عمران بن حصين ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : « يدخل سبعون ألفا من أمّتي الجنّة بغير حساب » . قيل : يا رسول اللّه ، من هم ؟ قال : « هم الّذين لا يكيدون ، ولا يسترقون ، ولا يتطيّرون ، وعلى ربّهم يتوكّلون » .
فقال عكاشة بن محصن : يا رسول اللّه ، ادع اللّه أن يجعلني منهم . قال صلّى اللّه عليه وآله : « أنت منهم » ، ثمّ قام آخر ، فقال : يا رسول اللّه ، ادع اللّه أن يجعلني منهم ، فقال : « سبقك بها عكاشة » .
وقال صلّى اللّه عليه وآله : « لو أنّكم تتوكّلون على اللّه حقّ توكّله ، يرزقكم كما يرزق الطّير ، تغدو خماصا ، وتروح بطانا » « 1 » .
[ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 161 ]
وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 161 )
ثمّ أنّه روي أنّ الرّماة الّذين تركوا المركز يوم أحد ، وأفاضوا في طلب الغنيمة ، قالوا : نخشى أن يقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : من أخذ شيئا فهو له ، ولا يقسّم الغنائم كما لم يقسّمها يوم بدر ، فقال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : « ألم أعهد إليكم أن لا تتركوا المركز حتّى يأتيكم أمري ؟ » . فقالوا : تركنا بقيّة إخواننا وقوفا ، فقال صلّى اللّه عليه وآله : « بل ظننتم أنّا نغلّ « 2 » ولا نقسّم بينكم » « 3 » .
فنزّه اللّه تعالى نبيّه عن الغلول والخيانة بقوله :
وَما كانَ
يصحّ وينبغي
لِنَبِيٍّ
ولا يستقيم له ، مع
هامش
( 1 ) . تفسير روح البيان 2 : 117 .
( 2 ) . الغلّ : الخيانة .
( 3 ) . تفسير روح البيان 2 : 118 .