الخلق الذي ذممناه ، تصدر عنه أفعال كثيرة يجور بها على نفسه ، ثمّ على إخوانه ، ثم الأقرب فالأقرب « 1 » ، حتّى ينتهي إلى عبيده وحرمه ، فيكون عليهم سوط عذاب ، لا يقيلهم عثرة ، ولا يرحم لهم عبرة ، وإن كانوا برآء من الذّنوب ، غير مجرمين ، ولا مكتسبي سوء ، بل يتجرّم عليهم ويهيج من أدنى سبب يجد به طريقا إليهم حتّى يبسط يده ولسانه ، وهم لا يمتنعون منه ، ولا يتجاسرون على ردّه عن أنفسهم ، بل يذعنون له ، ويقرّون بذنوب لم يقترفوها ، استكفافا لعاديته ، وتسكينا لغضبه ، وهو في ذلك يستمرّ على طريقته ، لا يكفّ يدا ولا لسانا .
وأصل هذا الخلق الذي ذكرناه أنّه مركّب من قوى مختلفة شدّة : القوّة الغضبيّة ، فهي الحاملة لصاحب هذا الخلق على ما يصدر عنه من البادرة المكروهة ، والجبه والقحة « 2 » ، ولهذا رأينا وشاهدنا من تشتدّ القوّة الغضبيّة فيه فيتجاوز الغضب عن نوع الإنسان إلى البهائم التي لا تعقل ، وإلى الأواني التي لا تحسّ ، فربما قام إلى الحمار والبرذون فضربهما ولكزهما ، وربّما كسر الآنية لشدّة غضبه ، وربّما عضّ القفل إذا تعسّر عليه ، وربّما كسر القلم إذا تعلّقت به شعرة من الدّواة واجتهد في إزالتها فلم تزل .
ثمّ حكى عن الزّبير بن بكّار بعض سيّئات عمر عند غضبه والشّنان « 3 » الذي كان بينه وبين طلحة ، حتّى همّ أن يوقع به ، وحتّى همّ طلحة أن يجاهره ، وطلحة هو الذي قال لأبي بكر عند موته : ماذا تقول لربّك وقد ولّيت فينا فظّا غليظا ؟ وهو القائل له : يا خليفة رسول اللّه ، إنّا كنّا لا نحتمل شراسته وأنت حيّ تأخذ على يديه ، فكيف يكون حالنا معه وأنت ميّت وهو الخليفة ؟
ثمّ قال ابن أبي الحديد : واعلم أنّا لا نريد بهذا القول ذمّه رضى اللّه عنه ، وكيف نذمّه وهو أولى النّاس بالمدح والتّعظيم ، ليمن نقيبته ، وبركة خلافته ، وكثرة الفتوح في أيّامه ، وانتظام أمور الإسلام على يده ، ولكنّا أردنا أن نشرح حال العنف والرّفق ، وحال سعة الخلق وضيقه ، وحال البشاشة والعبوس ، وحال الطّلاقة والوعورة « 4 » .
في نقل كلام ابن أبي الحديد في حسن خلق أمير المؤمنين عليه السّلام وحلمه
إلى أن قال : في حلم أمير المؤمنين عليه السّلام وصفحه ولينه ، حلمه وصفحه عن مروان بن الحكم بعد وقعة الجمل ، وظفره عليه ؛ مع أنّه من أشدّ النّاس عداوة له ، وصفحه عن عائشة وإرجاعها إلى المدينة محترمة مكرّمة ، ومعاملته مع أهل البصرة معاملة رسول
هامش
( 1 ) . في المصدر : على الأقرب فالأقرب من معامليه .
( 2 ) . الجبه : المقابلة بما يكره الآخر ، والقحة : هي قلّة الحياء والاجتراء على فعل المساوئ .
( 3 ) . في المصدر : الشأن .
( 4 ) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 6 : 340 - 344 .