تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 117

مساهمون:

ص١١٧
ثمّ أنّ الرّواية دالّة على قدح عظيم فيهما ، حيث إنّها - لدلالتها على تخصيص المشورة بهما ، مع وضوح أنّ مشورة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله كانت لتطييب القلوب - دالّة على أنّ حفظ الإسلام كان موقوفا على تطييب قلوبهما ، وحفظ خاطرهما أزيد من تطييب قلوب المنهزمين ؛ لأنّه لا يؤمن مع ملالة خاطرهما على النبيّ صلّى اللّه عليه وآله من إخلالهما في أمره ، وإفسادهما في دينه ، فافهم . وعن العيّاشي رحمه اللّه : كتب الجواد عليه السّلام إلى عليّ بن مهزيار « أن سل فلانا أن يشير عليّ ويتخيّر لنفسه ، فهو يعلم ما يجوز في بلده ، وكيف يعامل السّلاطين ، فإنّ المشورة مباركة ، قال اللّه تعالى لنبيّه صلّى اللّه عليه وآله في محكم كتابه - وتلا هذه الآية وقال - :
وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ
يعني : الاستخارة » « 1 » . في ( نهج البلاغة ) : « من استبدّ برأيه هلك ، ومن شاور الرّجال شاركها في عقولها » « 2 » . وفيه : « الاستشارة عين الهداية ، وقد خاطر من استغنى برأيه » « 3 » . وعن الصادق عليه السّلام : « وشاور في أمرك الّذين يخشون اللّه » « 4 » . ثمّ نبّه سبحانه على وجوب التّوكّل على اللّه في إنجاح المقصود بعد المشاورة ؛ بقوله :
فَإِذا عَزَمْتَ
وأحكمت الرّأي بعد المشاورة على عمل ، واطمأنّت به نفسك ، فلا تعتمد عليه ، بل إذا أردت إنفاذه
فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ
واعتمد عليه فيه ، حتّى يرشدك إلى ما هو أصلح وأرشد لك ، حيث إنّه لا يعلم ما هو الأصلح من جميع الجهات في الواقع إلّا اللّه ، لا أنت ولا من تشاوره .

في معنى التوكل

ثمّ بيّن سبحانه فضيلة التّوكّل ترغيبا إليه بقوله :
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ
في أمورهم عليه ، حيث إنّ التّوكّل على اللّه ، وتفويض الأمور إليه ، لا يكون إلّا بعد معرفته ، ومعرفته ملازمة لمحبّته ، ومن أحبّ اللّه أحبّه اللّه ، ومن أحبّه اللّه نصره وهداه إلى كلّ خير وصلاح . قيل : إنّ الآية دالّة على أنّ التّوكّل ليس معناه أن يهمل الإنسان نفسه ، ولا يراعي الأسباب الظّاهرة ، كما توهّمه كثير من الجهّال ، وإلّا لكان أمره تعالى بالمشاورة منافيا لأمره بالتّوكّل ، بل معناه أن يراعي الإنسان جميع الأسباب والمعدّات الظاهريّة ، ولكن لا يعوّل بقلبه عليها ، بل يعوّل على لطف اللّه وعصمته .

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 160 ]

إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( 160 )
هامش
( 1 ) . تفسير العياشي 1 : 348 / 804 ، تفسير الصافي 1 : 364 . ( 2 ) . نهج البلاغة : 500 / 161 ، تفسير الصافي 1 : 364 . ( 3 ) . نهج البلاغة : 506 / 211 ، تفسير الصافي 1 : 364 . ( 4 ) . الخصال : 169 / 222 ، تفسير الصافي 1 : 364 .