كونه أمين اللّه في أرضه
أَنْ يَغُلَّ
المسلمين ، ويخونهم في الغنيمة ، لغاية التّنافي بين ذلك المنصب ، الذي هو أعلى درجة كمال الإنسانيّة ، وبين الخيانة التي هي سبب للعار في الدّنيا ، والنّار في الآخرة .
وروي أنّه صلّى اللّه عليه وآله بعث طلائع ، فغنم النبيّ صلّى اللّه عليه وآله بعدهم ، فقسّمها بين الحاضرين ، ولم يترك للطلائع شيئا ، فنزلت « 1 » .
والمعنى : ما كان لنبيّ أن يعطي قوما من العسكر الغنيمة ، ويمنعها من الآخرين ، بل عليه أن يقسّمها بين الكلّ بالسّويّة . وإنّما عبّر عن حرمان بعض الغزاة بالغلول للتّغليظ في النّهي .
وعن ابن عبّاس رضى اللّه عنه : أنّ أشراف النّاس طمعوا أن يخصّهم النبيّ صلّى اللّه عليه وآله من الغنائم بشيء زائد ، فنزلت « 2 » .
وروي أنّه صلّى اللّه عليه وآله غنم في بعض الغزوات وجمع الغنائم ، وتأخّرت القسمة لبعض الموانع ، فجاء قوم فقالوا : ألا تقسّم غنائمنا ؟ فقال النبيّ صلّى اللّه عليه وآله : « لو كان لكم مثل أحد ذهبا ما حبست عنكم درهما ، أتحسبون أنّي أغللكم مغنمكم ! » فأنزل اللّه هذه الآية « 3 » .
وعن القمّي رحمه اللّه : نزلت في حرب بدر ، وكان سبب نزولها أنّه كان في الغنيمة التي أصابوها يوم بدر قطيفة حمراء ففقدت ، فقال رجل من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : ما لنا لا نرى القطيفة ؟ ما أظنّ إلّا رسول اللّه أخذها ! فأنزل اللّه في ذلك هذه الآية ، فجاء رجل إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فقال : إنّ فلانا غلّ قطيفة ، فاحفرها « 4 » هنالك ، فأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بحفر ذلك الموضع ، فأخرج القطيفة « 5 » .
وعن الصادق عليه السّلام : « أنّ رضا النّاس لا يملك ، وألسنتهم لا تضبط ، . . . ألم ينسبوه يوم بدر إلى أنّه أخذ لنفسه من المغنم قطيفة حمراء حتّى أظهر اللّه القطيفة ، وبرّأ نبيّه من الخيانة ، وأنزل في كتابه :
وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ
الآية « 6 » . وعن عكرمة ما يقرب منه « 7 » .
وروي أنّها نزلت في أداء الوحي ، [ حيث ] كان صلّى اللّه عليه وآله يقرأ القرآن ، وفيه عيب دينهم ، وسبّ آلهتهم ، فسألوه أن يترك ذلك ، فنزلت « 8 » .
ثمّ أنّه تعالى بعد تنزيه الأنبياء عن الغلول بيّن شدّة قبحه وحرمته تأكيدا لنزاهتهم عنه ، بقوله :
وَمَنْ يَغْلُلْ
ويخون في مال في الدّنيا
يَأْتِ بِما غَلَّ
وخان فيه بعينه ، حاملا [ له ] على ظهره
يَوْمَ
هامش
( 1 ) . تفسير روح البيان 2 : 118 .
( 2 و 3 ) . تفسير الرازي 9 : 70 .
( 4 ) . في المصدر : فاخبأها .
( 5 ) . تفسير القمي 1 : 126 ، تفسير الصافي 1 : 365 .
( 6 ) . أما لي الصدوق : 164 / 163 ، تفسير الصافي 1 : 365 .
( 7 ) . تفسير الرازي 9 : 70 .
( 8 ) . تفسير الرازي 9 : 70 .