تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 114

مساهمون:

ص١١٤
متعدّدة ، بقتل قوم كان يرى قتلهم ، وكان النبيّ صلّى اللّه عليه وآله يرى استبقاءهم واستصلاحهم ، فلم يقبل عليه السّلام مشورته على هذا الخلق ، كما أشار « 1 » عليه يوم بدر بقتل الأسرى ، حيث أشار أبو بكر بالفداء ، فكان الصّواب مع عمر ، ونزل القرآن بموافقته ، فلمّا كان في اليوم الثاني ، وهو يوم الحديبية ، أشار بالحرب وكره الصّلح ، فنزل القرآن بضدّ ذلك ، فليس كلّ وقت يصلح تجريد السّيف ، ولا كلّ وقت يصلح إغماده ، والسّياسة لا تجري على منهاج واحد ، ولا تلزم نظاما واحدا « 2 » . إلى أن قال : ونحن نذكر كلاما كلّيّا في سبب الغلظة والفظاظة ، وهو الخلق المنافي للخلق الذي عليه أمير المؤمنين عليه السّلام ، فنقول : إنّه قد يكون لأمر عائد إلى المزاح الجسماني ، وقد يكون لأمر عائد إلى المزاح الجسماني ، وقد يكون لإمر راجع إلى النّفس ، فأمّا الأوّل فإنّما يكون لغلبة الأخلاط السّوداوية وترمّدها « 3 » ، وعدم صفاء الدّم وكثرة كدورته وعكره ، فإذا غلظ الدّم وثخن ، غلظ الرّوح النّفساني وثخن أيضا ؛ لأنّه متولّد من الدّم فيحدث منه نوع ممّا يحدث لأصحاب الفطرة من الاستيحاش ، والنّبوة « 4 » عن النّاس ، وعدم الاستئناس والبشاشة ، وصار صاحبه ذا جفاء ، وأخلاق غليظة ، ويشبّه أن يكون هذا سببا ماديّا . فإنّ الذي يقوى [ في نفسي أنّ النّفوس ] إن صحّت وثبتت ، مختلفة بالذّات . وأمّا الرّاجع إلى النّفس فأن يجتمع عندها أقساط وأنصباء من قوى مختلفة مذمومة ، نحو أن تكون القوّة الغضبيّة عندها متوفّرة ، [ وينضاف إليها تصوّر الكمال في ذاتها وتوهمّ النقصان في غيرها ، فيعتقد أنّ حركات غيره واقعة على غير الصّواب وأن الصواب ما توهمه ] وينضاف إلى ذلك لجاج وضيق [ في ] النفس ، وحدّة واستنشاط « 5 » وقلّة صبر عليه ، فيتولّد من مجموع هذه الأمور خلق دنيّ ، وهو الغلظة ، والفظاظة ، والوعورة ، والبادرة المكروهة ، وحبّهم محنة « 6 » النّاس ، ولقاؤهم بالأذى ، وقلّة المراقبة لهم ، واستعمال القهر في جميع الأمور ، وتناول الأمر من السّماء وهو قادر على أن يتناوله من الأرض . وهذا الخلق خارج عن الاعتدال ، وداخل في حيّز الجور ، ولا ينبغي أن يسمّى بأسماء المدح ، وأعني بذلك أنّ قوما يسمّون هذا النّوع من العنف والخلق الوعر رجوليّة وشدّة وشكيمة ، ويذهبون به مذهب قوّة النّفس وشجاعتها ، [ الذي ] هو بالحقيقة مدح . وشتّان ما بين الخلقين ، فإنّ صاحب هذا
هامش
( 1 ) . في المصدر : وأما إشارته . ( 2 ) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 6 : 327 . ( 3 ) . أي صيرورتها بلون الرّماد . ( 4 ) . النّبوة : الجفوة والابتعاد . ( 5 ) . في المصدر : استشاطة . ( 6 ) . في المصدر : المكروهة ، وعدم حبّه .