تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 112

مساهمون:

ص١١٢
والمعنى : فبأيّ رحمة عظيمة من اللّه عليك ظهر منك هذا الخلق الحسن ! وفي إسناده إلى رحمة اللّه دلالة على أن جميع الأخلاق الحسنة بإفاضة اللّه ؛ لأنّها من قبل كمال الوجود المفاض منه تعالى . روي أنّه صلّى اللّه عليه وآله اغتمّ لهم بعد أن خالفوه . وروى الفخر الرازي في تفسيره : أنّ امرأة عثمان دخلت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وهو وعليّ عليه السّلام كانا يغيلان السّلاح ، فقالت : ما فعل ابن عفّان ؟ أما واللّه ، تجدونه « 1 » أمام القوم ، فقال لها عليّ عليه السّلام : « ألا إنّ عثمان فضح الزّمان » . فقال صلّى اللّه عليه وآله : « مه » « 2 » . وفي رواية : قال صلّى اللّه عليه وآله حينئذ : « أعياني أزواج الأخوات أن يتحابّوا » . ثمّ لمّا دخل عليه عثمان مع صاحبيه ما زاد على أن قال : « لقد ذهبتم فيها عريضة » « 3 » . ثمّ أشار سبحانه إلى مصلحة اللّين ، ومفسدة خلافه بقوله :
وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا
في القول والفعل ، جافيا في العشرة ، كريه الخلق مع أصحابك
غَلِيظَ الْقَلْبِ
وقاسيه ، غير رفيق بهم ولا رحيم
لَانْفَضُّوا
وتفرّقوا
مِنْ حَوْلِكَ
وجوانبك ، ولم يسكنوا إليك ، حتّى تتمّ فائدة الرّسالة ، فإنّ حكمة البعثة هي هداية الخلق ، وتبليغ الشّريعة . ومن الواضح أنّه لا يتمّ إلّا إذا مالت القلوب إلى الرّسول ، وسكنت النّفوس إليه ، وذلك متوقّف على كون الرّسول عطوفا ، رحيما ، مداريا ، رفيقا ، يتجاوز عن سيّئاتهم ، ويخصّهم بالبرّ والشّفقة والمكرمة ، ولذا قال صلّى اللّه عليه وآله : « لا حلم أحبّ إلى اللّه من حلم إمام ورفقه ، ولا جهل أبغض إلى اللّه من جهل إمام وخرقه » « 4 » . وروي عنه صلّى اللّه عليه وآله ، قال : « خصلتان لا تجتمعان في مؤمن : البخل ، وسوء الخلق » « 5 » . وقيل : لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : ما الشّؤم ؟ قال : « سوء الخلق » « 6 » . وعنه صلّى اللّه عليه وآله ، قال : « ألا أنبّئكم بشرّ النّاس ؟ » قالوا : بلى ، يا رسول اللّه ، قال : « من نزل وحده ، ومنع رفده ، وضرب عبده » . ثمّ قال : « ألا أنبّئكم بشرّ من ذلك ؟ » قالوا : بلى . قال : « من لم يقل عثرة ، ولم يقبل معذرة » « 7 » . ثمّ اعلم أنّ اللّه تعالى خصّ عليّ بن أبي طالب عليه السّلام بخلق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، حيث كان له من لين الجانب والرّفق بالنّاس ما لم يكن لغيره ، واختصّ عمر بخلافه ، فإنّه كان له من الغلظة والفظاظة
هامش
( 1 ) . في المصدر : لا تجدونه . ( 2 و 3 ) . تفسير الرازي 9 : 61 . ( 4 ) . تفسير الرازي 9 : 61 . ( 5 و 6 ) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 6 : 337 . ( 7 ) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 6 : 338 .