تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 110

مساهمون:

ص١١٠
وفي جعل القول الذي هو سبب للحسرة عين الحسرة مبالغة في سببيّته لها وعدم انفكاكه عنها ، وفي ذكر هذه الغاية للقول دلالة على عدم ترتّب فائدة وأثر عليه غيرها . قيل : إنّ وجه كون هذا الكلام حسرة لهم في الدّنيا ، زعمهم أنّ من مات أو قتل منهم إنّما مات أو قتل بسبب تقصيرهم في حفظ القتلى ، ومنعهم من السّفر والقتال ، ومن اعتقد ذلك لا شكّ أنّه تزداد حسرته وتلهّفه . وقيل : إنّ المراد : لا تكونو مثلهم في هذا القول الصادر عن الاعتقاد الفاسد السّيّء ، ليكون ذلك القول والاعتقاد حسرة لهم خاصّة دونكم . أو المراد : لا تكونوا مثلهم ، ليكون عدم مماثلتكم حسرة لهم ، أمّا في الدّنيا فلأنّهم يرونكم منصورين ، مستولين على الأعداء ، فائزين بالأماني ، حائزين للغنائم الكثيرة ، وفي الآخرة يرونكم مخصوصين بكرامة اللّه ونعمه ، وهم بسبب تثبّطهم عن الجهاد لهذا الاعتقاد ، حرموا عن جميع ذلك . ثمّ ردّ اللّه سبحانه قولهم بقوله :
وَاللَّهُ يُحْيِي
كلّ نفس ، لا الإقامة في البلد والقعود عن القتال ،
وَ
هو
يُمِيتُ
كلّ حيّ ، لا السّفر والقتال . فإذا أراد اللّه حياة مسافر أو مقاتل يرجعان سالمين وإن تورّطا في المهالك ، وإذا أراد اللّه موت مقيم أو قاعد يموتان وإن راعيا جميع أسباب السّلامة . ثمّ بالغ سبحانه في زجر المؤمنين عن مماثلة الكفّار ، وبعد نهيهم عنها بتهديدهم عليها بقوله :
وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ
من جعل أنفسكم مماثلة لهم ، وموافقتكم إيّاهم في العقائد والأقوال والأعمال
بَصِيرٌ
ومطّلع ، لا يخفى عليه سرّكم وعلانيتكم ، فيعاقبكم على سيّئاتكم بأشدّ العقوبة .

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 157 ]

وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ( 157 ) ثمّ رغّب سبحانه في الجهاد بوعد الثّواب بعد الزّجر عن التّقاعد ، والتّهديد عليه بقوله :
وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ
أيّها المؤمنون في الجهاد
فِي سَبِيلِ اللَّهِ
ونصرة دينه
أَوْ مُتُّمْ
في المسافرة في طلب مرضاته ، من الهجرة إلى الرّسول ، وتحصيل العلم ، وغير ذلك ، يكون ذلك القتل والموت مستلزمين للمغفرة عن الذّنوب ، والرّحمة الدّائمة من الجنّة والنّعم و
لَمَغْفِرَةٌ
كائنة
مِنَ اللَّهِ
لذنوبكم ونجاتكم من عذابه
وَرَحْمَةٌ
عظيمة منه تعالى
خَيْرٌ
لكم ، وأنفع
مِمَّا يَجْمَعُونَ
هؤلاء الكفرة ، من الزّخارف الدّنيويّة التي يحسبونها من الخيرات ، في مدّة أعمارهم .