تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 109

مساهمون:

ص١٠٩
الكثيرة ، فأجابوه وأسلموا له ، وإنّما كان تسليمهم له معلّلا
بِبَعْضِ ما كَسَبُوا
وارتكبوا من الذّنوب والمعاصي التي كانت دون ذلك ، من مخالفة أمر الرّسول صلّى اللّه عليه وآله في حفظ الشّعب ، والحرص على الغنيمة ، فصارت تلك الذّنوب موجبة لكثرة استيلاء الشّيطان عليهم ، حتّى أوقعهم في أعظم المعاصي من الفرار من الزّحف وتسليم الرّسول صلّى اللّه عليه وآله إلى الأعداء حفظا لأنفسهم . ثمّ بعد التّوبيخ بشّرهم سبحانه بالعفو بقوله :
وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ
بعد تلك الزّلّات والمعاصي
عَنْهُمْ
بفضله وسعة رحمته
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
للذّنوب
حَلِيمٌ
عن العاصيين ، لا يعاجل بعقوبتهم ، كي يتوب من في قلبه نور الإيمان ، ويجري قضاؤه بمن لا نصيب له منه ، ويقع ما في مكنون علمه من الفتن التي منها غصب خلافة الرّسول صلّى اللّه عليه وآله وتقدّم المنهزمين في الرئاسة الإلهيّة على من بايعه على الموت . روي أنّ عثمان عوتب في هزيمته يوم أحد ، فقال : إنّ ذلك وإن كان خطأ ، لكنّ اللّه عفا عنه « 1 » . ففي توصيف ذاته المقدّسة بالمغفرة والحلم إشعار باختلاف المنهزمين ، فبعضهم غفر لهم ذنوبهم ، وبعضهم حلم عنهم وأخّر عقوبتهم إلى ما بعد الموت .

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 156 ]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 156 ) ثمّ أنّه تعالى - بعد بيان سوء عقائد المنافقين وشناعة أقوالهم - نهى المؤمنين عن موافقتهم ومماثلتهم ، بقوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا
في فساد العقائد ، وشناعة القول
كَالَّذِينَ كَفَرُوا
بقلوبهم وآمنوا بألسنتهم نفاقا ، كعبد اللّه بن ابيّ ، ومعتّب بن قشير ، وأضرابهما ،
وَ
كالّذين
قالُوا
- في أنفسهم ، أو تذاكروا فيما بينهم تلهّفا
لِإِخْوانِهِمْ
النّسبيّة والاعتقاديّة والمذهبيّة
إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ
وسافروا في البراري والجبال للتّجارة وغيرها من الأغراض ، فماتوا في سفرهم
أَوْ كانُوا غُزًّى
وخرجوا من بلدهم مقاتلين فقتلوا في المعركة - : إنّهم
لَوْ كانُوا
مقيمين
عِنْدَنا
في المدينة
ما ماتُوا
في السّفر
وَما قُتِلُوا
في الغزو . فإنّهم إنّما قالوا ذلك ، واعتقدوا تلك العقيدة الفاسدة
لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ
القول والاعتقاد
حَسْرَةً
وندامة شديدة مستقرّة
فِي قُلُوبِهِمْ
في الدّنيا والآخرة .
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 9 : 51 .