الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، فإنه يترتب على ما ذكر من خلق الإنسان والكون كله أن يكون في علو لا يتسامى إليه أحد في الوجود ، وقد وصفه سبحانه بصفات خمس هي لا تكون إلا له سبحانه ؛ إذ هو كامل الوجود ، وتلك صفات كامل الوجود ، وليست إلا له :
الأولى - أنه سبحانه له وحده الملك والسلطان ، ولا سلطان فوق رب العالمين .
والصفة الثانية - أنه الحق الثابت الدائم ، الذي لا ثبات لغيره ، وملكه قائم على الحق والعدل ؛ لأنه قام على كونه خالق الوجود كله ، وهو ربه ، فهو الملك وهو الحق ، وهو قائم على دعائم الحق ، ويحكمه سبحانه وتعالى بالعدل .
والصفة الثالثة - أنه هو اللّه وحده فلا إله غيره ؛ سبحانه وتعالى ؛ لأنه إذا كان الخالق وحده ، وله الملك وحده ، فهو الإله وحده ، وقد أشرنا من قبل إلى أن العرب كانوا يعترفون بأن اللّه وحده خالق كل شئ ، وأنه واحد في ذاته وصفاته ، ولكن عند العبادة يعبدون الأوثان ، فاللّه سبحانه يبين أن الخلق ووحدة الذات توجبان وحدة الألوهية .
الصفة الرابعة - أنه رب العرش ، أي صاحب السلطان وحده في الدنيا والآخرة فلا سلطان لشخص أو حجر ، إنما السلطان له وحده في الدنيا والآخرة .
الصفة الخامسة - أنه الكريم الذي فاض بنعمه الظاهرة والباطنة على الوجود كله ، ويغفر ويرحم ، والذي يقبل التوبة عن عباده ، كما قال عزّ من قائل :
وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى
( 82 ) [ طه ] .
وإن المشركين لا برهان عندهم على أن ما يعبدونه استحق العبادة ؛ ولذا قال تعالى :
وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ
( 117 ) .