تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 5461

مساهمون:

ص٥٤٦١
وإن الشرك أمر تنكره العقول المستقيمة ، وتعافه النفوس القويمة ، ولذا كانت المفاجأة ألا يختلفوا في عبادة اللّه فمنهم من اهتدى ومنهم من حقت عليه الضلالة ، ولذا قال تعالى :
فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ
، الفاء وإذا للمفاجأة الفاء واقعة لترتيب ما بعدها على نقيض ما قبلها ، ولذا كانت المفاجأة بها وبإذا بعدها ، فريقان : فريق أطاع واهتدى ، وفريق ضل وغوى ، وهم يختصمون أي يختلفون ويكون كل فريق خصما للآخر يجادله لإثبات الحق والدعوة إلى الحق ، ويستمسك الباقون على شركهم بما كان عليه آباؤهم . وقد أنذر صالح الضالين بالعذاب الشديد ، وأن اللّه تعالى آخذ بالنواصي ، فقالوا كما في آيات أخرى : ائتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين ، ولكنه يرجو لهم الهداية بدل العذاب .
قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْ لا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
( 46 ) . قال لهم صالح رأفة بهم ، وإن كانوا يرأفون بأنفسهم ،
يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ
، ابتدأ بالأمر الذي يربطه بهم ، ويوجب محبتهم والحدب عليهم ، وهو أنهم قومه الذين يرتبط نسبه بنسبهم ، تنبيها لهم إلى ما فيه رحمتهم
لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ
، أي تطلبون في استعجال الأمر الذي يسوء وهو العذاب الأليم الذي تهددون به ، وهو العذاب الذي يسوء ، وتقدمون ما يسوء على الحسنة ، وهو الإيمان الذي هو حسن في ذاته ، وحسن لكم إذ من ورائه الثواب بدل العذاب ، والاستفهام هنا للاستغراب ، وللتوبيخ ، ولبيان أنهم يطلبون ما فيه الأذى بدل ما فيه الإكرام والثواب ، وينبههم إلى ما يجب أن يطلبوه ، وهو مغفرة اللّه والإيمان به ، فهو طريق الخير ، فيقول :
لَوْ لا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
و
( لَوْ لا )
هنا للحض على طلب المغفرة ، أي هلا تطلبون مغفرة اللّه رجاء منكم أن ترحموا بالإيمان باللّه وحده ، وترك الشرك ، والإذعان للّه تعالى ، ففي هذا رحمتكم ، وأن توقوا عذاب الجحيم ، ولكنهم يلجون في الكفر ، ويتهمون نبيهم بأن دعوته شؤم عليهم .