فتفقدها بتعرف حالها ، فلم يجد من بينها الهدهد وسأل عنه ، وهذا قوله تعالى عنه :
وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ
أي تعهدها ، وتعرفها وتعرف حالها ، فلم يجد الهدهد ، فقال متعجبا
ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ
، وكان حفيا يأن يعرف ، ويسأل ما لي لا أرى الهدهد أهو غائب عن عيني مختف بين أخواته من الطير
أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ
بأن كان غائبا عن جماعة الطير التي كانت في حوزته ، وتحت قبضته ، وإن له عقابا ،
لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ
ف ( أو ) لبيان تنوع المعاملة بتنوع الحال مثل قوله تعالى لذي القرنين ،
إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً
( 86 ) [ الكهف ] ، فإذا كان قد غاب مستهينا مستهترا فإني أعذبه عذابا شديدا ، وإن كان متمردا فإني أذبحه ، وأكد العذاب والتذبيح بما يشبه القسم وباللام وبنون التوكيد الثقيلة ، وإن كان غائبا لحاجة ، فليأتينى بسلطان مبين أي بحجة بينة مبينة لأمر جديد .
والفاء في قوله تعالى :
فَقالَ
هي فاء الإفصاح ، أي إذ تعهد الطير لم يجد الهدهد وإذ لم يجده فقال :
ولكن الهدهد كان ماكثا في مكان غير بعيد .
فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ ( 22 ) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ
( 23 ) .
فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ
، الفاء عاطفة ما بعدها على ما قبلها ، أي فمكث غير بعيد أو زمانا غير بعيد ، أي لم يقض وقتا طويلا مديدا في مكثه ، بل جاء فور التهديد الذي هدد به نبي اللّه سليمان عليه السلام ، وجاء إليه يقول له :
أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ
أي علمت علم إحاطة ومعاينة ، لأمر لم تحط به ، ولم تعلم به علم معاينة ، وهكذا كان حظ الطير الضعيف أن يخاطب العظيم الذي أوتى كل شئ بالحرية وبالحق ، ليعلم الحكام الجهلة ، أن من واجبهم أن يواجهوا الحاكم بكل ما يعلمون وفيه مصلحة الدولة ، وأن عليهم أن يتقبلوا شديد القول كما يتقبلون لينه
جِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ
.