فصاحته ، وهم في ردهم له يخالط نفوسهم بحلاوته وجلاله فهو مذكور عند المؤمن به ، والجاحد له .
وقد وصفه اللّه سبحانه وتعالى بثلاث صفات معلية له مشرفة بنسبته فوق شرفه الذاتي من بلاغة وشمول الشرع .
الأولى - أنه تنزيل من رب العالمين ، والتنزيل النزول جزءا بعد جزء منجما مقطعا ، ليسهل حفظه ، وليرتل ترتيلا ، وليعلم النبي قراءته وتلاوته ، ويتعلّمها منه أصحابه ، وبذلك تكون تلاوة القرآن مرتلا متواترة ، كما قال تعالى :
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
( 9 ) [ الحجر ] ، وقد أشرنا إلى ذلك في عدة مواضع عند ذكر معاني الذكر الحكيم .
الثانية - أنه نزل بالوحي نزل به الروح الأمين على قلبك ، الروح الأمين هو جبريل ، وهو روح القدس ، نزل بهذا القرآن ، وكان نزوله على قلبك ، فاتصل به ووعاه ، وحفظه مرتلا
لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ
لأنك تعلمت علمه ، وأوتيت حكمته ، وعلمت شريعته لتكون من المنذرين أهل الضلالة عن غوايتهم ، ودعوتهم إلى التوحيد ، ولما ذكر المنذر دون المبشر ، وهو بشير ونذير ، لأن هداية المشركين تكون أولا بالإنذار ، والتبشير يكون بالإقلاع عن الشرك ، ولذلك كان أول دعوته بالإنذار ، إذ قال :
إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ
( 46 ) [ سبأ ] عندما استجاب لقوله تعالى :
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ
( 214 ) وقد كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقول :
أنا النذير العريان .
الثالثة - أنه باللغة العربية ، ولذا قال عزّ من قائل :
بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ
.
اللسان هنا اللغة ، لأنها تكون باللسان ، وهو متميزها ، وأداتها ، وأطلق اللسان وأريد المسبب له وهو اللغة ، وكل لغة تخص لسانا في أدائها ونغمتها وصوتها . وأداؤها في القرآن الكريم كان باللغة العربية فليس بقرآن ما لا يكون باللغة العربية ، فترجمة القرآن إن كانت ممكنة ( وهي ليست ممكنة ) ليست قرآنا ، وقوله :
مُبِينٍ
أي واضح في تميزه ومعانيه ، ومقاصده ، ومعانيه وهي في أعلى درجات الإعجاز بهذا البيان ، ولغيره مما اشتمل عليه .