وَما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا
أي لست أنت إلا بشرا مثلنا ، وكيف تكون من بيننا رسولا ونبيا ، أي أنه في نظرهم لا يكون الرسول منهم أو مثلهم يأكل مما يأكلون منه ، ويشرب مما يشربون ، وذكروا النتيجة ، وهي أنه ما دام منهم أو مثلهم فليس نبيا ، ولذا قالوا بعد ذلك
وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ
إن هنا هي المخففة من الثقيلة ، واسمها هو ضمير الشأن والحال أي إنه الحال والشأن نظنك لمن الكاذبين ، والدليل على أنها مخففة من الثقيلة اللام في قوله تعالى لمن الكاذبين ، وقد أكدوا رميهم له بالكذب بأن وباللام ، وبعده في صفوف الكاذبين البهاتين .
والظن هنا معناه العلم القطعي ، ولكن عبروا بالظن أو باقي القول ، وإن أرادوا العلم ، وكان من أدب العرب في القول أن يؤثروا الظن على القطع ، وإن كانوا ظالمين .
وطلبوا معجزة ، فقالوا :
فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 187 ) قالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ
.
الكسف ، جمع كسفة أي قطع من السماء ، فلم يطلبوا رسالة مع ملك أو نحو ذلك ، بل كانوا قساة من طبعهم ماديين ، طلبوا أن ينزل عليهم قطعا من السماء ، وقد أشبههم في هذه من بعدهم كفار قريش ، فقالوا :
اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ
( 32 ) [ الأنفال ] وإن ذلك أشد الحمق وأفحشه ، فكانوا مثلهم .
أجابهم اللّه تعالى بعذاب شديد من جنس ما طلبوا وهو سحابة كانت من ورائها صيحة شديدة ، فكانوا في ديارهم جاثمين ، ولقد قال لهم نبي اللّه مفوضا الأمر إلى ربه
قالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ
وهذه الجملة السامية فيها تفويض وتهديد ، أما التفويض فهو أنه قال : ربى أعلم بما تعملون ، فهو يفوض الأمر للّه سبحانه .
وأما التهديد فهو أيضا في هذه الجملة السامية من حيث إنه يعلم وحده بكافة ما تعملون من تطفيف في الكيل والميزان ، وبخس للناس أشياءهم وعثو في