تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 5381

مساهمون:

ص٥٣٨١
الفاء عاطفة للترتيب والتعقيب ، أي أنه فور دعائه أجابه ،
فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ
أي الذين معه في الإيمان والإذعان والتصديق وناصروه ، وإن كانوا قليلا ، وقوله تعالى :
الْمَشْحُونِ
الذي حمل فيه كل ما يحتاجون حتى تستوى على بر السلامة ، وهذا قوله تعالى :
حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ
( 40 ) [ هود ] . هذه عاقبة نوح ، ومعه أهل الإيمان من قومه ، والطائعين له من أهله ، أما الباقون فقد قال تعالى فيهم :
ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ الْباقِينَ
. والعطف بثم في موضعه ؛ لأن التفاوت بين الحالين ثابت ، إذ هو بعد وتفاوت بين الإنجاء والإهلاك ، ولأنه تفاوت بين غضب اللّه على الباقين ، ورضاه على المؤمنين ، وقوله - بعد - فيها إشارة إلى أن الغرق كان بعد صناعة الفلك ، وركوبه ، ومجىء السيول المغرقة التي كان الموج فيها كالجبال ، وغير ذلك مما هو مذكور بتفصيل في سورة هود . ثم قال تعالى :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ
أي لمعجزة قاهرة دالة على رسالة نوح عليه السلام ، وعلى قوة صبره ، وعلى إيمانه بربه ، ومع ذلك ما كان أكثرهم مؤمنين ، بل ما آمن معه إلا عدد قليل ، وهذا دليل على أن المعجزة الحسية التي كانوا يطالبون بها وقتا بعد آخر ، ليس من شأنهما أن تحملهم على الإيمان حملا ، إذا لم تكن النفوس راضية مرضية ، متجهة إلى الإيمان من غير معوق من سلطان أو مال ، أو غرور مبين وقوة دنيوية .
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
أي الغالب ، والرحيم ، الذي يرحم عباده باختبارهم ، وعقاب المسىء وثواب المحسن ، وإمهالهم حتى لا يكون أمل في رجوعهم إلى ربهم ، وإنابتهم إلى خالقهم .
زهرة التفاسير — صفحة 5381 | محمد أبو زهرة