قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ
.
يئسوا من رده ، وهو يحجهم بالحجة تلو الحجة ، فانتقلوا من الجدل العقيم منهم إلى التهديد بالرجم بالحجارة ، وقد فقدوا كل عناصر الود ، وأعلنوا القطيعة وقالوا مصرين على الكفر :
لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ
اللام هي الدالة على القسم ، بأنه إذا لم ينته يكون الرجم جزاءه ، وطريق معاملته ، وينتقلون من حال الرجم بالقول إلى حال الرجم بالحجارة ،
لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ
هذا جواب القسم ، واللام واقعة فيه مؤكدة ، والتوكيد أيضا بنون التوكيد الثقيلة ، وبذلك بلغوا أقصى حدود التكذيب مع التهديد العنيف . عندئذ اتجه إلى ربه قائلا :
قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ
بكسر النون للإيماء إلى ياء المتكلم المحذوفة ، وصدر القول بالنداء إلى ربه للإشارة بالنداء إلى طلب النصر والعون ، والمدد الكريم منه جلت قدرته ، وهو الذي أظلهم بنعمة الربوبية ، وقوله :
إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ
فيه إيماء إلى أنهم كذبوه ، في حال كان يرجو إيمانهم ؛ لأنهم أولا قومه ، وعرفوا صدقه ، وخوفه عليهم ، ورفقه بهم ، ورغبته لخيرهم ، ومع كل هذا كذبوه وقطعوا صلته وأعلنوا عداوته ، وهددوه بالرجم ، وإن لم يذكره لربه ، لأنه عليم بهم يرى ويسمع .
اتجه إلى ربه يدعوه إلى أن يفصل بينه وبينهم :
فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
.
وقد كان تهديدهم له بالرجم خطا فاصلا بينه وبينهم ، وأخبره اللّه تعالى بقوله تعالى :
لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ
( 36 ) [ هود ] والفاء للإفصاح ، وتقدير القول إذا كانوا كذبوك ولا يؤمن إلا من قد آمن فلا تبتئس .
والفتح معناه الحكم والفصل بألا يمكنهم منه ، وممن آمن معه وما آمن معه إلا قليل .
وقد أجابه اللّه تعالى إلى مطلبه فور دعائه إليه .
فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ( 119 ) ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ الْباقِينَ
.