تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 5379

مساهمون:

ص٥٣٧٩
أجابهم نوح على امتناعهم عن الإيمان بسبب إيمان الضعفاء والفقراء والعبيد ، وهذا من سخف تفكيرهم ، وتفكيرهم المادي الذي بنوا فيه تقدير الناس على أساس قوتهم المادية الجسمية ، وأموالهم ، أجاب عليه السلام بقوله :
قالَ وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 112 ) إِنْ حِسابُهُمْ إِلَّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ ( 113 ) وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ ( 114 ) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ
( 115 ) . الاستفهام هنا للتنبيه إلى أنه لا يعلم ما كانوا يعملون لنيل رزقهم ، وأنه لا يهتم به ، إنما يهمه فقط إجابة دعوته ، وما يحرضهم عليه من تقوى وهداية ، أي أنه عليه السلام لا يهتم بالذي كانوا يعملونه وهم مستمرون على عمله سواء كانوا يمتهنون صناعات صغيرة ، أو صناعات كبيرة ، إن ذلك لا يعنيه ،
إِنْ حِسابُهُمْ إِلَّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ
أي ما حسابهم إلا على ربى لو شعرتم بالحق وأدركتموه .
وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ
نفى عن نفسه أن يكون من شأنه أن يطرد من استجاب وآمن بالحق واستجاب دعوته ، أي أنه ما أرسل لتوزيع الأعمال على الناس ، إنما أرسل لدعوة الحق والإيمان ، وترى أن النفي لوصفه بطرد المؤمنين ، فهو نفى عن شأنه بوصف كونه رسولا داعيا إلى الحق ، لا يهمه إلا استجابة دعوته .
إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ
إن نافية ، أي ما أنا إلا نذير مبين ، أي إلا منذر مبين ، فلا يهمني إلا بيان ما فيه الإنذار ، وبيان ما فيه من تبشير ، ويلاحظ أن قول نوح عليه السلام فيه تهديد لهم ، ولذا اقتصر على ذكر الإنذار ، ولم يذكر التبشير ، مع أن أصل الرسالة للأمرين . وقد أمر اللّه تعالى محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم وقد جوبه من المشركين بما جوبه به نوح عليه السلام ، وقال اللّه تعالى له :
وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ
( 52 ) [ الأنعام ] . وهكذا توافقت أقوال المشركين من عهد نوح الأب الثاني للخليقة إلى عهد قوم محمد خاتم النبيين ، وكان الجواب واحدا أحرج قوم نوح والمبطل إذا أحرج هدد وأنذر .