تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 5377

مساهمون:

ص٥٣٧٧
وجاء من بعد بقصص من قصص نوح الأب الثاني للخليقة ، وفيه ذكر شذوذ الكافرين من العرب ، ولذلك ابتدأ سبحانه القصص بتكذيبهم ، ولم يبتدئه برسالة نوح عليه السلام ، فقال تعالى :
كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ ( 105 ) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَ لا تَتَّقُونَ ( 106 ) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ( 107 ) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ
( 108 ) .
كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ
ابتدأ القول الكريم بتكذيب قوم نوح للمرسلين ، أي أن طبعهم ، وما آل إليه أمرهم أنهم يكذبون الرسالة الإلهية على لسان رسول يبشر وينذر ، فهم لا يكذبون نوحا وحده ، وإنما يكذبون أصل الرسالة الإلهية لأنهم ماديون لا يؤمنون إلا بالمادة ، ولا يؤمنون بالغيب ، ولب الإيمان هو الإيمان بالغيب ، فلا إيمان لمن لا يؤمن بالغيب .
إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَ لا تَتَّقُونَ
إذ ظرف للماضى متعلق بقوله :
كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ
كأنهم جابهوا نوحا عليه السلام ، وهو يقول لهم
أَ لا تَتَّقُونَ
بإنكار أصل الرسالة ، وكأنهم يقولون : ما لنا ورسالتك ، ورسالة غيرك وقوله :
أَ لا تَتَّقُونَ
ألا للتحريض والحث علي التقوى ، وما أجدر كل منكر جبار ، أن يطالب بالتقوى ، واتخاذ وقاية لأنه يكون مغرورا ، وكل من يتدلى بالغرور ، يطالب باتخاذ وقاية ليمتلئ بالتقوى ووراء التقوى الإيمان .
إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ
أكد رسالته لهم بأن المؤكدة ، وتقديم الجار والمجرور
لَكُمْ
أي لكم خاصة ، ووصف نفسه بالأمانة ، والأمانة تقتضى ألا يكذب على اللّه ، فيدعى عليه الرسالة ، وهو لم يرسله ، وتقتضى الأمانة فيما يخبرهم ، ومع الأمانة الرعاية والمحبة والإخلاص لهم ، والبر بهم . ولأنه رسولهم الذي أرسل إليهم طالبهم بتقوى اللّه والطاعة فقال :
فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ
؛ أي أطيعونى لأن هنا ياء المتكلم مقدرة في القول بدليل كسر النون المنبئ عنها ، طالبهم بأمرين : تقوى اللّه ، لأن قلوبهم جامدة جافية عن ربها ، إذ ليس فيهم إيمان بشيء ، ولا خوف من حاضر ولا غائب ، ولا علاج للنفس اللاهية الجافية إلا بالتقوى ، أو الدعوة إليها ، والأمر الثاني طاعة الرسول ، ولا سبيل لطاعته إلا أن تمتلئ نفوسهم بالتقوى ، ومهابة اللّه والخضوع له .
زهرة التفاسير — صفحة 5377 | محمد أبو زهرة