تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 5375

مساهمون:

ص٥٣٧٥
فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
. الفاء أيضا للإفصاح لأنها سدت عليهم كل منافذ النجاة ، فتمنوا رجعة إلى الدنيا كرة أخرى يؤمنون فيها ، ويدركون الحق ويذعنون له ، ( لو ) هنا للتمني ، وهو تمنى أن يعودوا إلى الدنيا كرة أخرى ، والفاء فاء السببية ، وأن مضمرة بعدها ، أي فنكون بسبب ذلك من المؤمنين المذعنين للحق الذين لا يمارون فيه . كان الكلام في يوم الآخرة عندما قال عليه السلام يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى اللّه بقلب سليم ، ولقد أشار سبحانه من بعد ذلك إلى تتمة القصة ، فقال سبحانه :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ( 103 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
( 104 ) . الإشارة إلى قصص إبراهيم ، وما جاء فيها على لسان إبراهيم من بيان فضل الربوبية ، والإذعان لحقها ، وقد جاء في البيضاوي تلك العبارات المدركة في بيان معنى ( لآية ) لحجة وعظة لمن أراد أن يستبصر بها ويعتبر ، فإنها جاءت على أنظم ترتيب وأحسن تقرير ، ويتبعه المتأمل فيها لغزارة علمه ، لما فيها من الإشارة إلى أصول العلوم الدينية والتنبيه على دلائلها ، وحسن دعوته للقوم ، وحسن مخالفته معهم وكمال إشفاقه عليهم ، وتصور الأمر في نفسه وإطلاق الوعد ، والوعيد على سبيل الحكاية ؛ تعريضا وإيقاظا لهم ليكون أدعى للاستماع والقبول . ومع هذه الحجة الباهرة ، والوصايا التي تقنع بذاتها ، وتلزم بحقيقتها ، كان أكثرهم غير مؤمنين ، ولذا قال :
وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ
وإذا كان الأكثرون غير مؤمنين ، فمعنى ذلك أن المؤمنين كانوا الأقل عددا ؛ وذلك لأن الشيطان يتحكم في الكثرة ، ويعاون أهل الشر بعضهم بعضا .
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
الغالب الرحيم مع أنه القادر القاهر على كل شيء هو الرحيم وكان رحيما بهم في أنه لم يعجل بالعذاب ، بل أمهل أهل الشر حتى يكون اليوم ، وكان رحيما بهم في أنه لم يسو الصحيح بالسقيم والمحسن بالمسىء ، وكان رحيما بهم في أن وضع عذابا للمجرمين ، لكيلا يوغلوا في إجرامهم ، ففي هذا الوصف بالرحمة إنذار وتبشير ؛ لأن العالم لا يقوم على المساواة بين الخير والشر ، ولكل موضعه .