الفاء للعطف مع الترتيب والتعقيب ، أي أنه سبحانه بعد هذا الفزع بين مآل أمرهم ، وقد يقال : يكون إغراقهم معقبا لقول فرعون مع أن بينهما حوادث ، والجواب عن ذلك الإشارة إلى أن اللّه تعالى قدر ذلك واقعا وتكوينا ، عندما أخذ فرعون الطاغي ومعه ذلك الذعر ، فكأنه وقع عقبه ، لتأكد وقوعه .
الجنات - هي مصدر ذاتها ، فكأنها لعموم زرعها وثمارها ، وأنها في وسط الصحارى من حولها شرقا وغربا ، كأنها جنات في أعلاها وأدناها ، وعيون ، جمع عين ، وهي الماء الثر النابع من جوف الأرض ، وفي ذلك إشارة إلى نيلها السعيد الذي يجرى من أعلاها لأدناها ، وقد كانت الآبار بين مصر وليبيا ، تجرى فيها عيون الماء ، فتخصبها ، وكانت الأرض بينها وبين تونس ، وكانت تسمى أفريقيا ، وكانت أرضها مملوءة في باطنها بالمعادن والفلزات ، وكنوز من سبقوهم من الفراعنة ، كما لا تزال آثار من قبل فرعون موسى ، مملوءة بالآثار الدالة على قوة سلطانهم وثرائهم ، والكنوز ، الآثار أو كل ما استبطنته الأرض من معادن وكنوز - ومقام كريم - أي المقام اسم مكان من قام يقوم ، أي مقام طيب حسن مع الاحترام والإجلال ، وهي المنازل المشيدة .
ولمن تكون هذه المنازل بعدهم قال تعالى :
كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ
( 59 ) أي أخرجناهم ذلك الإخراج من الجنات والعيون والكنوز ، والمقام الكريم لنورثها بني إسرائيل ، فنجعلهم ورثتهم ، وقد كانوا يستضعفونهم ، ويذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم ، وكان ذلك ظلما ، فأورث اللّه المظلوم ظالمه ، وهذا كقوله تعالى :
وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ
( 5 ) [ القصص ] .
فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ
( 60 ) لم يحس قوم فرعون بهم إلا في الصباح ،
فَأَتْبَعُوهُمْ
أي ساروا وراءهم ولحقوهم ، يقال اتبعه أي لحقه ، وسار سيرا مسرعا وراءه ، و
مُشْرِقِينَ
، أي وقت الشروق متجهين شرقا وراءهم ، فقد اتجهوا إلى ناحية البحر الأحمر ، حيث المعجزة الظاهرة الباهرة ، وهو فلق البحر كل فرق كالطود العظيم ، وقد جد جيش فرعون الذي دعا فيه بالنفير العام حتى تراءى لهم ففزع بنو إسرائيل منهم ؛ لأن سابق الأذى خلع قلوبهم خلعا ، ولذلك كان الخوف الشديد وقال تعالى :
فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ
( 61 ) .