تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 5361

مساهمون:

ص٥٣٦١
الفاء فاء الإفصاح عن شرط مقدر ، تقديره نحو فإذا تقاربا ، وتراءى الجمعان أي صار كل واحد منهما على مرأى الآخر ؛ لأن الترائى تفاعل الرؤية من الجانبين ، بحيث صار كل واحد منهما يرى الآخر ، قال بنو إسرائيل من فرط جزعهم
إِنَّا لَمُدْرَكُونَ
وقد أكدوا أنهم مدركوهم بأن وباللام ، وبالجملة الاسمية ، وهي جملة خبرية في ظاهرها ، وفي حقيقتها كشف عن هلعهم وفزعهم ، وكان على موسى أن ينبئهم بما يذهب عنهم الخوف ، فقال اللّه تعالى عنه :
قالَ كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ
( 62 ) . قال موسى عليه السلام ردا ومنعا :
كَلَّا
وهذه نفى لأن يدركوهم أو نفى لما يترتب على لحاقهم بهم ، وقوله :
إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ
هي لإذهاب الخوف من نفوسهم ، فإذا كانوا يرهبون بعزة فرعون الموهومة ، فنحن في كلاءة اللّه تعالى ، ورعايته ، اللّه تعالى ربى الذي أنشأنى وحاطنى بحمايته وكلاءته ، وهو الحي القيوم رب السماوات والأرض ، ويهديني إلى طريق النجاة منهم ، والسين لتأكيد هداية اللّه لطريق النجاة في المستقبل وكانت النجاة .
فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ
( 63 ) . الفاء للترتيب والتعقيب ، أي كان عقب طلب الاستهداء كان الإيحاء استجابة لموسى عليه السلام ، كان الإيحاء لموسى أن اضرب بعصاك ، أن تفسيرية ، ضرب موسى بعصاه البحر ،
فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ
، الفلق هو شق الشيء حتى ينفصل بعضه عن بعضه ، ويصير كل قسم منفصلا عن الآخر في كيانه ، والفرق القسم المفروق عن الآخر ، والطود هو الجبل العالي ووصفه بالعظيم لضخامته ومتانته وقوته ، وهذا إعجاز حسى يجعل كل قلب يؤمن بالحق ، ولو كان قلب فرعون طاغية الأرض ، وكان هذا هاديا موسى أن يتقدم بني إسرائيل ، فيدخلون في البحر ، وهو يبس لا يعوق سائرا وهو طريق معبّد ، يسيرون فيه بيسر وسهولة . اللّه سبحانه وتعالى جرّ الآخرين بتقليدهم أن يسيروا وراءهم ، ولذا قال عزّ من قائل :
وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ
( 64 ) .