إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ
( 34 ) ثم أثار نخوتهم الوطنية ، أو العداوة التي كانت بينهم وبين الهكسوس ، فقال :
يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَما ذا تَأْمُرُونَ
( 35 ) .
حمله فرعون حماية لطغيانه أمرين :
الأمر الأول : أنه بهذا لا يريد هداية وتعليما وإرشادا وإصلاحا ، ولكن يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره ، والإخراج يكون بألا يكون لكم سلطان في الأرض ، بل يكون الأمر لغيركم وتكونون عبيدا تعيشون على هامش الحياة فيها .
الأمر الثاني : أن يكون له سلطان عليكم ، وذلك ذهاب لسلطانكم ، وإخراج لكم من دياركم ، وإن ذلك كله بسحره ، وهذا ينبئ عن الفزع ، ولكنه فزع يتصور الويل والثبور وعظائم الأمور ، وإلا ما كان السحر ذاته مزيلا للملك ، ومخرجا من الديار .
وإنه في هذا يستحث قومه على معاندة موسى ، وألا يميلوا كل الميل له ، لأنه عدو الديار ، ويكل الأمر إليهم
فَما ذا تَأْمُرُونَ
يطلب استشارتهم متطامنا خاضعا ، وقد أحس أن الأمر يخرج عن سلطانه ، فيقول في استشارتهم فما ذا تأمرون ، أي ما الذي تأمرون به ، وإني أنفذه .
أجابوا عن ذلك بأنهم يستفزون الشعب كله ، وكأنهم توهموا أن في سحر موسى ما يخرج من الديار .
قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ ( 36 ) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ ( 37 ) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ( 38 ) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ ( 39 ) لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ ( 40 ) فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أَ إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ
( 41 ) .
قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ
أي أرجئه وأخاه ، وحذفت الهمزة في آخر الكلمة تخفيفا ، والهاء ضمير يعود على موسى عليه السلام ، والمعنى أرجئه وأرجئ أخاه أمدا ، وقيل أنه حبسهما ، وليس عندنا ما يدل على ذلك ، إنما الذي يدل عليه القول هو أنه أجلهما أمدا معلوما ليختبر الدليل الذي قدّماه ، ولا نحسب أنه كان عنده قوة على الحبس ، فقد اضطرب أمره ، وتحير تدبيره ، وكان في فزع قد فوجئ بأسبابه ، فاختل ميزان طاغوته ، هذه هي الوصية الأولى التي تقدموا بها ،