عنه كل ما كان من المآثم التي ارتكبها في حال غيه ، ولذلك يغفر اللّه ما قد سلف ، ويبتدئ التائب صفحة جديدة تحل محل صفحة السوء ، ويبدل مكان السيئات حسنات ، ويقول اللّه تعالى في ذلك :
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ . . .
( 38 ) [ الأنفال ] .
هذا هو الأمر الأول ، وهو الأساس للأمرين الآخرين ، بل هو النور الهادي لهما ، أما الأمر الثاني : فهو الإيمان بأن ينتقل من دركة المعصية إلى درجة الوحدانية ، ومن دركة الكفر بمحمد والقرآن والعناد إلى درجة الإذعان للحق والإيمان به والجهاد في سبيله .
وأما الأمر الثالث ، فهو العمل الصالح ، وقد قال تعالى :
وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً
وإن ذلك العمل يؤكد الإيمان ويوثقه ، لأن والعمل ثمرة الإيمان ، أو هو جزء منه ، كما أن ثمرة العلم العمل ، والإيمان أعلى درجات العلم ، إذ هو علم وتصديق وإذعان وتسليم ، وقد أكد سبحانه وتعالى العلم فقال
وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً
وذلك بذكر المصدر تأكيدا لمعنى العمل ، وليكون ذلك العمل بعد الإيمان مقابلا للعمل الذي كان في جاهليتهم ، ولبيان أنهم يعملون عمل عباد الرحمن ، الذين يمشون على الأرض هونا ، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما .
وقد بين سبحانه وتعالى جزاء هذه المثوبة الكاملة ، وذلك العمل الصالح ، والإيمان الكامل فقال :
فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ
الفاء واقعة في جواب الشرط ، أو ما هو في معنى الشرط ؛ لأن الموصول في معنى الشرط ، وأولئك إشارة إلى الذين كانت فيهم هذه الأحوال من توبة وإيمان وعمل صالح ، والإشارة إلى الموصوف بصفات إشارة إلى هذه الصفات ، وإلى أنها سبب الحكم ، ولم تجد الحكم جزاء بالنعيم ، وسيجئ ذلك من بعد ، إنما الجزاء أن يبدل سيئاتهم حسنات ، والتبديل هو التغيير ، أي أنه سبحانه وتعالى يغير سيئاتهم ، ويضع محلها حسنات ، وإن ذلك بلا ريب واضح من التوبة ؛ ذلك أن التوبة كما قررنا ترحض النفوس ، وتزيل عنها أدرانها ، وتجعلها مجلوة مصقولة ، وصالحة لأن يحل محلها