تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 5321

مساهمون:

ص٥٣٢١
وفسوق القول ، فعباد اللّه الرحمن الذين شرفوا بالانتساب إليه لا يحضرون هذا النوع من الباطل ، لأنه من سوق الخطائين الذين تروج بضاعته بينهم ، وبهذا تفسر الآية الآية ، فلا يشهدون أي لا يحضرون ، فهم لا يجلسون في مجالس الزور من الأقوال والأفعال ، بل تستغرقهم مجالس العبادة ، ومجالس الجلد والأفعال الحميدة التي تعود بالنفع على الناس ، وتدرس فيها الحقائق الكونية والمصلحية ، وتروى فيها السنة النبوية ، وتعرف فيها معاني الذكر الحكيم ، والقرب من رب العالمين . هذا تفسير للنص القرآني ، ولقد قال الزمخشري في هذا المعنى على أنه احتمالي : « يحتمل أنهم ينفرون عن محاضر الكذابين ومجالس الخطائين ، فلا يحضرونها ، ولا يقربونها تحرزا عن مخالطة الشر وأهله صيانة لدينهم عما يثلمه ، لأن مشاهدة الباطل شركة فيه ، ولذا قيل في النظارة إلى ما لا تسوغه الشريعة هم شركاء فاعليه في الإثم ، لأن حضورهم ونظرهم دليل على الرضا به ، وسبب وجوده والزيادة فيه ، لأن الذي سلط على فعله هو استحسان النظارة ، ورغبتهم في النظر إليه ، وفي مواعظ عيسى عليه السّلام : « إياكم ومجالسة الخطائين » وهذا نظر حسن ، واتجاه سليم فإنه من المقررات أن أول الشر استحسانه ، وأول الباطل حضوره . هذا احتمال في معنى الآية وهو معنى حكيم سليم مرشد ، وهو يليق بحال عباد الرحمن ، وهناك احتمال آخر ، وهو أنهم لا يشهدون شهادة الزور ، ويكون الكلام على حذف مضاف ، فمعنى
لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ
أي لا يشهدون شهادة الزور وسميت الشهادة في هذه الحال الزور ؛ لأنها كذب ، وهي تكون في مجالس الظلم أو معاونة للظالم ، أو معاونة على الظلم ، ويصح لنا أن شهادة الزور التي يروج فيها الباطل ، وينصر الظالم ، وتؤكل أموال الناس بالباطل تكون داخلة في شهادة الزور ، وحضور مجالسه . ويقال للكذب زور لأنه مائل بالنفس عن قول الحق ، وكأن طبيعة النفس ألا تقول إلا صدقا ، والكذب انحراف بها وميل عن الصراط المستقيم ؛ لأن القلب
زهرة التفاسير — صفحة 5321 | محمد أبو زهرة