المخلص يتجه اتجاها مستقيما ، ثم ينطق نطقا مستقيما ، فينطق بالصدق ، ثم يسير في خط الاستقامة إلى أقصى مداه ، وهو خط الحكمة والفطرة الإنسانية .
ولقد قال تعالى :
وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً
اللغو من الكلام ما لا يعتد به وهو الذي يورد من غير روية وفكر ، ليجرى مجرى اللغا ، وهو صوت الطير الذي يكون له معنى محدود ، وكما يقصر اللغو على القول الذي لا يكون له قصد معقول يقره العقلاء ، كذلك يطلق على الأفعال العابثة ، والمقابح التي يلهو بها بعض الناس في جلوسهم على المقاهي ، وأهل اللغو من شأنهم أن يعيبوا غير المعيب ، ويسخروا من أهل الفضل ، ولا يجاريهم إلا من يكون على شاكلتهم في الأفعال والأقوال ، ويقطعون الساعات في غير عبادة مقررة ، ولا عمل نافع يقصد إليه ، فعباد الرحمن لا يخوضون مع هؤلاء في قول أو فعل ، ولذا قال تعالى :
وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً
أي مروا معرضين ، كما يقول اللّه تعالى :
وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ . . .
( 55 ) [ القصص ] ، وكراما تدل أولا : على أنهم ينكرونه بقلوبهم لا ينكرون ما يفعله أهله بألسنتهم ، حتى لا يخوضوا معهم في حديث يجرهم إلى أن يجئ على مسامعهم رفث القول وفسوقه ، وثانيا : يكتفون بالاستنكار السلبي ، وذلك يفعل في النفوس ما لا تفعله الأقوال ، وهو موعظة واستنكار للأشخاص والأفعال ، والأقوال ، وثالثا : ينصرف إلى نفسه ، فيهذبها عن اللغو ، وذلك في ذاته دعوة إلى الجد ، والابتعاد عن العبث وانصراف إلى المجد .
وسماهم في هذه الحال كراما ؛ لأن الكريم يعلو بنفسه عن مواضع العبث والهذر والسخف ، يقال تكرم فلان عما يشينه ، وأكرم نفسه عن القبح ، وفي ذلك إشعار بأن الخوض في العبث أو مشاركة أهله فيه هو مهانة كل المهانة ، وحط كل الحطة .
ومن أحوال المؤمن السلبية ، وإن جاء بشكل فيه مظهر إيجاب ما ذكره سبحانه وتعالى بقوله :