تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 5315

مساهمون:

ص٥٣١٥
للناس أو لنفسه ، ولقد قال ابن عباس : « من أنفق مائة ألف في حقه فليس بمسرف ، ومن أنفق درهما في غير حقه فهو مسرف ، ومن منع من حق عليه قتر » . وظاهر الآية أن عباد الرحمن قد أخذوا بقوله تعالى :
وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً
( 29 ) [ الإسراء ] ، والقتر هو التضييق على النفس بحيث يكون في قدرة ، ويحرم نفسه من أقل مطالب الحياة ، أو يضيق فيها ، والإقتار الفقر أو الضيق في المادة ، كما قال تعالى :
عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ . . .
( 236 ) [ البقرة ] ، ومعنى الآية أنه ينفق في حلال بمقدار طاقته وقدرته ، ولا يضيق على نفسه في الحلال ،
وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً
أي عدلا بين الإسراف والقتر . وإن النص الكريم يفهم منه أمران : أحدهما - ألا ينفق في حرام قط ، وألا يضن عن حلال موجود إلا تربية للنفس وتهذيبا ، وفطما لها عن الشهوات ، ولذا كان عمر رضى اللّه عنه يعد من يطلب كل ما يشته مسرفا ؛ لأنه إذا حق الأمر لا يستطيع قدع نفسه عن شهواتها . الأمر الثاني - أن الإنفاق بين الإسراف والقتر يختلف باختلاف أحوال الأشخاص ، فإذا كان الرجل كسوبا عليه أن ينفق في الحلال والجهاد بمقدار كسبه وطاقته ما دام ينفق في مطلوب ، وما دام كسبه واسعا ، ولقد قبل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من أبى بكر كل موفور ماله لأنه تاجر كسوب ، يعرف مواضع الكسب والخسارة ، ولم يقبله من غيره ، وقد قال تعالى :
وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ . . .
( 219 ) [ البقرة ] ، أي السهل اللين الذي لا يجهد ذا المال إنفاقه ولا يصعب عليه . هذه أحوال إيجابية هي التي صورت شخصية عباد الرحمن والتي كونت فيهم الإيمان والعمل الصالح ، والجمع بين سلامة القلب ، واستقامة العمل ، وتكوين الإنسان النافع ، وقد ذكر سبحانه وتعالى بعد ذلك ما يتجنبونه لكيلا يكون ما يعوق هذه الأخلاق العالية ، فقال تعالى :
زهرة التفاسير — صفحة 5315 | محمد أبو زهرة