قال تعالى في وصف المتقين في آية أخرى
وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ
( 55 ) [ القصص ] .
الوصف الثاني من أوصاف أهل الإيمان الإيجابية :
وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً
.
هذا عمل إيجابي ، وإذا كان العمل الأول معناه التطامن للناس ، وألا يكون بينهم وبينهم شغب ، حتى إذا خاطبهم السفهاء بما لا يصدر إلا عنهم ، لا يبادلونهم السفه بسفه مثله ، بل يقدمون لهم السلام والأمن ويطمئنون ، ولا يشاغبون . وهذا عملهم مع الناس ، أما هم بالنسبة للّه ، فقد ذكر سبحانه ذلك في بيانهم ، وهو السجود للّه تعالى والقيام له ، والخضوع له تعالى ، فقال :
وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً
هذا عطف على الجملة السابقة في بيان عملهم للّه ، وكذلك ما يجئ من بعده من أحوال لهم ، واللام في قوله
لِرَبِّهِمْ
متعلقة ب
سُجَّداً
أي أنهم يبيتون ساجدين لربهم خاضعين ، وقائمين له ، وقدم قوله تعالى
لِرَبِّهِمْ
؛ لبيان قصر السجود عليه ، فلا يسجدون لغيره إذ لا يعبدون غيره ، ولا يسجدون لسواه .
والسجود والقيام كناية عن الصلاة ، فهم يتهجدون مطيعين ؛ لقوله تعالى :
وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً
( 79 ) [ الإسراء ] .
وإن معنى الآية أنهم يبيتون على هذه الحال ، تنام أعينهم ، ولا تنام قلوبهم ، كما قال تعالى عنهم :
تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ . . .
( 16 ) [ السجدة ] وقال تعالى :
أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ . . .
( 9 ) [ الزمر ] .
هذه بعض أحوال عباد الرحمن : اتجاه إلى اللّه وإغضاء عن مساوئ الناس ، ويكون اللّه تعالى في بياتهم فيكونون للّه تعالى في مبيتهم ، وفيما يجرحون من أعمال بالنهار .