تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 5296

مساهمون:

ص٥٢٩٦
هذا ، وإنا نميل إلى أن الضمير يعود على القرآن ؛ لأنه حجة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم الذي بعثه اللّه تعالى بشيرا ونذيرا ، ولقد قال سبحانه وتعالى :
وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً
. إن اللّه تعالى رحيم بعباده رفيق بهم ، ولكنه خلق لهم أعينا يبصرون بها وآذانا يسمعون بها ، وقلوبا يفقهون بها ، وجعل لهم علما وإدراكا ، ومكنهم من أن يصلحوا في الأرض ولا يفسدوها ، وصلاحها بأن يقوموا بمكارم الأخلاق ، وجعل لهم بعثا ونشورا ، وحسابا وجزاء وعقابا ، ولكنه علت قدرته لا بد أن يعطيهم النذر مرشدة ، حتى لا يتردوا بأهوائهم في الضلال ، فبعث إليهم محمدا بشيرا ونذيرا ، بالنذر العامة التي تعم القرى والمدائن ، ولو شاء لجعل في كل قرية نذيرا ، والقرية المدينة العظيمة ، أو القبيل الكبير ، ولذا قال تعالى :
وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً
، أي منذرا يخصها ، ويبين الحق بيانا كاملا ، ويبين ما يعقب الكفر من عذاب الجحيم ، وما يكون بعد الإيمان من جنات النعيم . لو - حرف امتناع لامتناع ، أي امتنع الجواب لامتناع الشرط ، أي امتنع أن يجعل اللّه تعالى في كل قرية نذيرا ، لامتناع مشيئته سبحانه ذلك ، وله سبحانه وتعالى في ذلك حكمة وإرادة ، وعلى أن الناس متشابهون خلقا وتكوينا وإرادة ، وسيطرة الأهواء الشيطانية على بعضهم ، والعقل على آخرين اصطفاهم اللّه تعالى ، وبهداه اقتدوا ، فكان الإعلام بالرسالة والنذير ، إعلاما لهم أجمعين ، ومن اهتدى فإنما يهتدى لنفسه ، ومن ضل فإنما يضل عليها ، وكان إنذار محمد صلّى اللّه عليه وسلّم عاما للناس أجمعين ، وكان التبليغ الكامل حقا عليه وعلى من تبعه من بعده ، كما قال تعالى :
يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ . . .
( 67 ) [ المائدة ] . وإذا كان إنذار الناس أجمعين حقا على النبي واجبا عليه ، كان لا بد من الجهاد ، ولذا قال تعالى :
زهرة التفاسير — صفحة 5296 | محمد أبو زهرة