أنفسنا عليها ، فصبر هنا بمعنى حبس ، كقوله تعالى :
وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ . . .
( 28 ) [ الكهف ] .
وإن هذا النص الكريم الحاكي لأحوالهم النفسية يدل على أمرين : أولهما - أنهم كانوا في مغالطة نفسية ، بين باطل اعتنقوه وحق لاح نوره بين أيديهم بحججه وأدلته الناصعة المنيرة ، والثاني - أنهم لتقليدهم وتعصبهم لما كانوا عليه وما وجدوا عليه الآباء فكانوا يحاولون إبطال الحق وتأييد الباطل ، فحبسوا أنفسهم على الباطل حبسا ، وأنهم كانوا يتبعون الحق لولا أنهم حبسوا أنفسهم على الباطل ، ولولا - شرطها صبرنا ، وجوابها محذوف دل عليه ما قبلها .
وهكذا المبطل دائما يكون غير مستقر على فكرة ، بل الأوهام تسيطر ، وتضع على الإدراك غشاء مانعا من أن يصلوا إلى الحقائق ويؤمنوا بها ، ولا تحسبن الضالين يؤمنون بشيء .
وقوله تعالى :
وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا
سوف هنا لتأكيد وقوع الفعل في المستقبل ، أي سيعلمون علما مؤكدا في أي جانب كان الضلال ، أكان مع الهادي المرشد الأمين ، أم منكم ، وأنتم تعبدون أحجارا لا تنفع ولا تضر ، وقد حبستم أنفسكم عليها حبسا لا تخرجون من دائرة سلطانه الموهوم ، وإنكم ستعرفون الحق الواضح الأبلج الناصع في نوره وبياضه عندما ترون العذاب ، فالنفوس الضالة لا يهديها إلى الحق الحجة الدامغة ، بل تزيدهم إصرارا على باطلهم ، ويعلمون حينئذ الحق في وقته ، إذ يعلمونه في وقت نزول العذاب ، وهو علم ندم ، ولات حين مندم .
وقوله تعالى :
مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا
استفهام لإنكار حالهم وتوبيخهم على جهلهم مع مجازاتهم على ما كان منهم في جنب النبي في الدنيا ،
أَضَلُّ سَبِيلًا
أي أبعد عن الطريق المستقيم ، واللّه بكل شئ عليم ، وإن هذا القول الذي حكاه سبحانه وتعالى عنهم يدل على أنهم يختارون من الآلهة ما يتجه إليه هواهم دون عقولهم ، ولذا قال سبحانه :