الإشارة في قوله تعالى :
وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ
إلى الزمن الذي كان بين نوح وعاد وثمود وأصحاب الرس ، والقرن هو الجيل من الناس ، أي أن أجيالا بين هؤلاء الأنبياء كثيرا كانت فيها العبر ، ولكن قل المعتبر ، و
كَثِيراً
وصف لمحذوف تقديره عدد ، أو وصف لقرون نفسها .
وَكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ وَكُلًّا تَبَّرْنا تَتْبِيراً
.
وهذه القرون الكثيرة التي بعث لها النبيون بين نوح وموسى ، حذرهم اللّه وأنذرهم ، وضرب الأمثال من قصص النبيين ، وكيف هلك الأقوام ، إذ كذبوا الرسل ، ويبين اللّه كيف أهلكهم وفتتهم ، وأذلهم ، ولذا قال تعالى :
وَكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ
كلا ، الضمير قائم مقام مضاف إليه ، أي كل قرن من هذه القرون الكثيرة بينا له الأمثال من الذين سبقوه ، وكذبوا رسلهم ، وكيف كانوا عبرة لهم ، ولكن لم يعتبروا ،
وَكُلًّا تَبَّرْنا تَتْبِيراً
فسر الراغب الأصفهاني التتبير بالإهلاك ، والمعنى : وكلا أهلكناهم إهلاكا ، وكانوا عبرة ، ولكن لم يكن اعتبار ، فعم الفساد ، وضلوا ضلالا بعيدا ، إلا من هدى اللّه ، وآمن واهتدى .
وقال الزمخشري وتبعه في هذا كل المفسرين الذين أخذوا أن التتبير هو التكسير والتفتيت ، أي أن اللّه تعالى كسرهم حتى صاروا فتاتا ، متقطعا متجزئا .
والمعنيان متلاقيان يصح الجمع بينهما بأن أهلكهم بطريق كسرهم وتفتيتهم ، حتى صاروا فتاتا مندثرا .
وإن المشركين لم يعتبروا بما بين أيديهم من آثار الذين ظلموا مثل ظلمهم ، وعليهم أن يعدوا أنفسهم لمثل المآل الذي آل من سبقوهم ، وإنهم يمرون على ديارهم ، ولا يعتبرون بهم ، ولذا قال تعالى :
وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَ فَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً
.
القرية هي المدينة العظيمة ، وهي هنا قرية قوم لوط ، ومطر السوء هو