تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 5280

مساهمون:

ص٥٢٨٠
والترتيب والتعقيب ، قد يقال كيف كان التدمير عقب الذهاب ، وقد لبث موسى فيهم يدعو سنين ، ونقول : إن الزمن في ذاته لم يكن طويلا ، وإن كان عند الناس طويلا ؛ ولأن التكذيب يتبعه لا محالة التدمير . وذكر القوم ، ولم يذكر فرعون مع أنه الرأس الطاغي ، ونقول في الجواب عن ذلك ، إنه لولا حاشيته وقومه ما طغى وتجبر ، وكذلك الشأن في كل طاغية جبار ملؤه هم الذين يقرونه ويشجعونه . بعد ذلك ذكر سبحانه وتعالى قوم نوح فقال تعالى :
وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ وَجَعَلْناهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ عَذاباً أَلِيماً
.
وَقَوْمَ نُوحٍ
منصوب بفعل محذوف تقديره اذكر قوم نوح ، والرسل هنا يراد بهم نوح عليه السّلام إذ إنهم كذبوه ، فقد كذبوا رسالة اللّه تعالى إلى خلقه ، فكأنهم يكذبون الرسل جميعا الذين جاءوا قبل نوح ، والذين جاءوا بعده ، لأنهم كذبوا أصل الرسالة الإلهية ، ولذا كان العقاب بأن استؤصلوا وأنشأ من بعدهم قوما آخرين ، وكان ذلك بالإغراق الذي اجتث شأفتهم أجمعين ، ولم يبق إلا من آمن بنوح ، وما آمن معه إلا قليل ، وقال تعالى :
وَجَعَلْناهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً
، أي جعلناهم آية معلمة لصدق الرسالة ، وهلاك المكذبين الضالين ، وقدم للناس على أية إشارة إلى أنه يعتبر بهذه الآية ، ومن لم يعتبر فهو لا يعد من الناس ؛ لضلاله وفساد إدراكه .
وَأَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ عَذاباً أَلِيماً
، أي هيأنا للظالمين بسبب ظلمهم ، الذي يشمل الشرك والفساد في الأرض ، والاعتداء على الناس ،
عَذاباً أَلِيماً
أي مؤلما ، ففعيل بمعنى اسم الفاعل ، كبديع بمعنى البدع ، وعبر بالوصف بالظلم ، ليشير إلى أنه سبب العذاب المؤلم
وَعاداً وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً
.