تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 5277

مساهمون:

ص٥٢٧٧
فبين اللّه تعالى الحكمة واضحة نيرة موضحة مفسرة وقال :
وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً
. إنهم قد سدت عليهم المسالك كشأن كل مبطل يريد أن يثير لجاجة في القول والريب حول حقيقة ثابتة لا مجال للريب فيها ، فهم أنكروا أن يكون آية وطلبوا غيره مع عجز صارخ عن أن يأتوا بمثله ، وجاءوا بعد إلى أمر شكلى حوله يريدون أن يتخذوا منه سبيلا لأن يقولوا إن محمدا اصطنعه اصطناعا بعد أن قالوا : إنه أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا ، قالوا لما ذا لا ينزل جملة واحدة ، فبين اللّه تعالى حكمته العليا في أنه نزل مفرقا ، وقال
وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً
المثل الحال والصورة ، أي لا يأتونك بحال يتوهمون أنها تلقى بريب أو شك ، إلا جئناك بالأمر الثابت الذي لا ريب فيه ، فيلقمهم الحجة ويزداد الحق نصوعا وسطوعا وبيانا يقطع جهيزة كل متكلم ،
وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً
أفعل التفضيل ليس على بابه ، لأنهم ليس لهم تفسير للحقائق حتى يكون بيان القرآن أحسن منه ، إنما الظاهر أن بيان الحقائق في القرآن لا يوجد بيان أعلى منه ولا أجمل ولا أوضح ، فالتفسير البيان ، وكأن اللّه سخرهم باعتراضهم لتزداد حجة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وضوحا ، واللّه عليم حكيم ، وقد ذكر سبحانه من بعد ذلك عاقبة لجاجتهم ، فقال :
الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ سَبِيلًا
. موضع
الَّذِينَ يُحْشَرُونَ
النصب على الاختصاص ، وبيان عاقبة أمرهم بعد هذا الذي يثيرونه حول الحجة الكبرى للرسالة الخالدة إلى يوم القيامة ، وقد عبر سبحانه عن حشرهم يوم القيامة بصورة تجعل القارئ يدرك منها مقدار المهانة التي تلحقهم يوم الحشر ، الذي كانوا ينكرونه ويبالغون في إنكاره ، إذ إنهم يقلبون على وجوههم التي كانت لا تتجه في الدنيا إلا إلى الأسفل ، فهم يسحبون سحبا ، ويجرون جرا على وجوههم ، وهذا يشير إلى أنهم يساقون ولا يكون لهم اختيار ، ويساقون على أقبح حال ، فبدل ما كان يدّعون لأنفسهم في الدنيا من سيطرة ،