تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 5276

مساهمون:

ص٥٢٧٦
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً
لَوْ لا
هنا للحض والتحريض على قدر ما تدركه عقولهم ، وكأنهم في هذا يعيبون القرآن ؛ لأنه نزل مفرقا ، ولم ينزل دفعة واحدة ، ويعيبون إعجازه ، لأنه نزل أجزاء مفرقة ، وكل ذلك لتسويغ أفكارهم وكفرهم ، وقد رد سبحانه قولهم بقوله عزّ من قائل :
كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا
، وقد ذكر سبحانه وتعالى حكمتين في نزوله مفرقا على أجزاء تنزل في أوقات متفرقة : أولاهما - هي إيناس النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وتثبيت قلبه على الدعوة باستمرار الوحي نازلا بالقرآن لا ينقطع ، وهذه الحكمة أشار إليها سبحانه بقوله :
كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ
أي أنزلناه كذلك لنثبت به فؤادك فتعرف بالوحي المستمر أن اللّه معك ، الثانية - أشار إليها سبحانه بقوله :
وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا
والترتيل هو قراءة القرآن الكريم على نسق منسق مصور للمعاني الجليلة في التلاوة ، فيتلقاه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مرتلا ، ثم يقرؤه لغيره من القراء من أصحابه كذلك ، وبذلك يتواتر القرآن مرتلا ، كما أقرأه جبريل للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكما قرأه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على أصحابه ، فالقرآن الكريم ليس متواترا بلفظه فقط ، بل بلفظه وترتيله ، فقد علّم جبريل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، كما جاء في قوله تعالى :
لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ( 16 ) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ( 17 ) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ( 18 ) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ
( 19 ) [ القيامة ] ، وقال تعالى :
وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ . .
( 106 ) [ الإسراء ] . وإن العرب كانوا أمة أمية ، فما كان فيها كاتب عنده القدرة على أن يكتب القرآن كله ، ولأن اللّه تعالى تكفل أن يحفظ كتابه من غير تحريف ولا تبديل ، ليحفظه إلى يوم القيامة ، فكان ذلك بحفظه في الصدور ، وإن ما يحفظ على قرطاس يسهل تحريفه أو تبديله أو حذف جزء منه ، أما ما يحفظ في الصدور فإنه يكون في وعى لا يغير ولا يبدل ، ولما أراد اليهود في أفريقيا أن يحرفوا في كتابة المصحف كان الحفاظ وراءهم ، وقد ردوا كيدهم في نحورهم . وقد حسب المشركون لجهلهم وجحودهم أن ذلك ينال من الذكر الحكيم ،