للطلب ، وهما يفيدان تأكيد الاستخلاف ؛ لأن الطلب من اللّه ، وهو لا يتخلف ، وتنصرفان إلى التأكيد المطلق ، فجعلهم خلفاء في الأرض لمن كانوا قبلهم ، فخلفوهم في السيطرة على الأرض ، وكمال سلطانهم .
وقوله تعالى :
لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ
اللام تنبئ عن قسم مضمر في القول ، فالله وعد الذين آمنوا وعملوا الصالحات بسبب إيمانهم ، وعملهم الصالح في الطاعات والمعاملات الإنسانية وعدهم سبحانه بأن يستخلفهم في الأرض كما استخلف الذين من بعد نوح كعاد ، وغيرهم خلفاء مسيطرين على ما في الأرض ، وقد أكد سبحانه وتعالى وعده بالقسم ، وبنون التوكيد الثقيلة ، وبالمشابهة بينهم ، وبين من سبقوهم ممن جعلهم خلفاء في الأرض .
وإن ذلك تبشير للمؤمنين الذين آمنوا واتبعوا محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم في جهاده ، وهو ماض إلى يوم القيامة ، وليست الخلافة هي خلافة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولكنها خلافة اللّه في الأرض بمقتضى الفطرة الإنسانية التي قال تعالى فيها :
وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ . . .
( 30 ) [ البقرة ] ، فهي السلطان في الأرض بمقتضى التمكين الإلهى .
ذلك أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ما إن جاء بدعوته إلى الهدى ، حتى كانت مكة كلها تقاومه بكل أنواع المقاومة ، ولهاميم « 1 » قريش تكيد له ، ولما انتقل إلى المدينة ليدعو إلى دينه ، وقد فشا ذكره في أرض العرب ، اضطر للجهاد ، وأخذ يشق الطريق للدعوة فكان وعد اللّه تعالى ، وهم في هذا الجهاد ، وعد اللّه بأن يكونوا الممكنين في الأرض ، وأن يكونوا مستخلفين فيها ، وذلك الوعد يتضمن أمرين أحدهما : نصر مؤزر دائما ما داموا مؤمنين عاملين الصالحات ، والثاني : أن يكون لهم السلطان ، وأن يكونوا المسيطرين في الأرض ، وإن استخلافهم في الأرض كان معه أمور أعزتهم وأعلتهم ، ذكرها سبحانه في قوله تعالى :
هامش
( 1 ) اللهاميم : جمع اللّهموم : الجواد من الناس والخيل . الصحاح للجوهري : فصل اللام .