مجال لإنكارها ، ولا للتردد فيها ، إذ هي قاطعة ؛ لأنها ثابتة بالعيان لا بالقول مجردا ، والقسم
إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ
أي عالم علما دقيقا بما يعملون ، أي بما يستمرون عليه من عمل يتفق مع إيمانهم أو لا يتفق ، وإنه يعلم ما تبدون وما تكتمون ، ولا يخفى عليه شيء في الأرض ، ولا في السماء .
وننبه هنا إلى أمور ثلاثة :
أولها : أن قوله تعالى :
لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ
فقوله :
لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ
هي القسم ، وهي تتضمن فعل الشرط ، كأنه يوهم إلى أنهم لم يؤمروا مع أن الأمر عام يدخلون فيه إن كانوا صادقين ، وهم كاذبون ، كما قال اللّه تعالى :
وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ ( 46 ) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ
( 47 ) [ التوبة ] ، والحديث عنهم بالغياب ، لأنه بيان لقولهم وأحوالهم .
ثانيها : الانتقال إلى الخطاب في أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم :
قُلْ لا تُقْسِمُوا
لمواجهتهم بالأمر والتقصير والنفاق في القول ، والفجر في الأيمان .
ثالثها : أن الضمير في
( وَأَقْسَمُوا )
يعود إلى المنافقين أو إلى المسلمين عامة وفيهم المنافقون وضعاف الإيمان ، ولكن لم يكن من قبل ذكر لهؤلاء إلا المؤمنين .
ونقول في الجواب عن ذلك : إن القرآن كان ينزل في وسط جماعات تدعى إلى الإيمان فلم يكن مفصولا عمن يكونون بحضرة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عند نزوله ، وقد كانت الآيات ذاتها هي التي تعين مع مواقع الضمير ، ففي مكة ، كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يخاطب بالقرآن الكريم المشركين وهم الذين يعاندونه ، فكانوا كأنهم حاضرون فيعود الضمير إليهم إذا كان فيه حكاية لعنادهم ومهاتراتهم ، فلما انتقل إلى المدينة ، فبعد غزوة بدر الكبرى ظهر النفاق ، وبدت أنياب اليهود ، فكانت المعاندة من المنافقين واليهود ، وظهر ضعاف الإيمان الذين يعبدون اللّه على حرف ، فكانت الآيات التي تشير إلى