تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 5208

مساهمون:

ص٥٢٠٨
ذكر الله سبحانه وتعالى في الآيات السابقة الماء في تشبيه أعمال الكافرين ، والماء العذب في تكوينه ، وذكر معه إنزاله على من يصيبه ، ونعمته في صرفه عنه إن لم تكن الأرض صالحة للزرع ، حتى لا يكون غثيا « 1 » بدل أن يكون غيثا ، فكان في هذه الآية مبينا لنعمة الماء في الحياة والأحياء بشكل عام كما قال تعالى في كتابه العزيز :
. . . وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ . . .
( 30 ) [ الأنبياء ] ، وذلك يعم الحيوان والنبات ، والأشجار ، من كل حي ، وهنا يخص الأحياء من الحيوان ، فيقول عزّ من قائل :
وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ
وصدّر الآية الكريمة بلفظ الجلالة للإشارة إلى اختصاصه بالعبادة ؛ لأن لفظ الجلالة يتضمن معنى الألوهية ، وكل ما يذكر بعد ذلك من خلقه يكون دليل ألوهيته سبحانه ، فالمخلوق يدل على الخالق ، وكذلك كل عبادة سامية لله جل جلاله ، ودلت على الخلق يكون فيها هذا المعنى الجليل . والدابة من دب يدب ، واسم الفاعل الدابّ ، وألحقت به التاء للدلالة على المبالغة ، وهي تشمل الحيوان جميعا ، فكل حيوان يدب على الأرض ، ويسير عليها ، بقدرة الله تعالى ، وخلقها من الماء معناها أن الماء من الأسباب الجوهرية لحياتها بخلق الله تعالى وإرادته ، والماء مصدر حياتها بإذن الله وتمكينه وجعله ؛ لأن الماء ريّها ، ولا يحيا الحي إلا بشربه ، وغذاء الحيوان كله مما ينبت من زرع ، ويغرس من أشجار فيها ثمار مختلفة ، حتى الحيوانات آكلة اللحوم غذاؤها يعود إلى الماء ؛ لأنها تتغذى من النبات ، والحيوان كله آكلا ومأكولا من النبات ، كما قال تعالى :
يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ . . .
( 4 ) [ الرعد ] . فالحيوان من الماء ، بل الأحياء كلها من حيوان ونبات من الماء ، والفرق بين الحيوان والنبات أن النبات غذاؤه من الماء مباشرة ، والحيوان يرتوى من الماء ، ويأخذ غذاءه من النبات الذي كان تكوينه من الماء . وبين سبحانه وتعالى تنوع خلقه في الحيوان لبيان عدم التفرقة في الخلق بين حيوان يمشى على بطنه زاحفا وبين حيوان على رجلين سائرا ، وما يمشى على أربع ،
هامش
( 1 ) غثيا ، غثا السّيل المرتع : جمع بعضه إلى بعض ، وأذهب حلاوته .