تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 5205

مساهمون:

ص٥٢٠٥
( ركام ) مجتمع بعضه يكون فوق بعض ، ولقد قال تعالى :
وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ
( 44 ) [ الطور ] ، وإنه إذا تراكم السحاب ، وصار بعضه فوق بعض كان المطر ، ولذا قال تعالى :
فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ
، والودق هنا المطر ، يقال : ودقت السحاب فهي وادقة - إذا أمطرت - وقوله :
يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ
ينبئ عن أنه مطر ضعيف لا ينهمر انهمارا ، ولا يكون وابلا ؛ لأن الوابل تنحل فيه السحاب وتنهمر ، ولا يكون ودقا يخرج خلاله من سحاب متراكم ، ثم أشار سبحانه إلى الماء المنهمر بعد ذلك بقوله :
وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ
السماء هنا ما علاك ،
مِنْ جِبالٍ
بدل اشتمال من السماء ، أي ينزل مما علاك من جبال فيها من برد ، وقد شبه السحاب المتراكم الذي يعلو طبقة فوق طبقة بالجبال لكمال تماسكها وتراكمها ، وعلوها حتى صارت كالجبال في منظرها ، وما ركبت الطائرة التي تحلق ونظرت السحاب المتراكم حتى حسبته جبلا ، أو جبالا ، وإذا كان محمد صلّى اللّه عليه وسلّم لم يركب طائرة تمر فوق السحاب ، فيكون هذا من دلائل إعجاز القرآن ، وأنه لم يكن من عند أحد من البشر ، وقوله تعالى :
مِنْ بَرَدٍ
، أي وينزل من الجبال التي تشبهها السحاب ، أي ينزل من السحاب بعض البرد الذي فيها ، والبرد هو كما قال الراغب في المفردات ، والبرد ما يبرد من المطر في الهواء فيصلب ، وبرد السحاب اختص بالذكر ، وهذا قريب مما يقوله علماء الطبيعة من أن الماء يتبخر ، فيكون سحابا ، ثم يتكون من السحاب قطع صلبة هي البرد . وتقريب القول بلغة الناس ، وإن كان للقرآن المثل الأعلى في البيان الذي لا يناهد ، تقريبه هكذا . وينزل السحاب التي تشبه الجبال في منظرها ، وتكون
( مِنْ )
الثانية بيانية ، أو تكون تبعيضية ، أي ينزل منها بعض البرد ، ونحن نميل إلى أنها بيانية . وإذا كان ينزل المطر من البرد ، فإنه لا ينزل إلا بما يشاء سبحانه :
فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ
، فيصيب به من يشاء أي ينزل عليه ، وعبر ب ( يصيب ) ، دون ( ينزل ) ؛ لأن الإصابة قد تكون بالخير ، وقد تكون بغيره ، فقد يكون