المطر غيثا فيه كرم يغاث فيه الناس ، وقد يكون غيثا مدمرا ، وصرفا عمن يشاء ، قد يكون سببا في القحط ، وقد يكون للدمار .
ثم وصف المطر في انهماره بأن يكون فيه برق ورعد ، وحيثما كان البرق فإنه يكون الرعد ، وقال تعالى :
يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ
، أي أن ضياءه الخاطف يكاد
يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ
، أي يذهبها ، وعبر بالباء ، للدلالة على أن البريق يأخذ الأبصار مصاحبا لها ، فالباء للمصاحبة .
وذكر البرق ذكر للرعد ؛ لأن البرق اصطدام سحابتين إحداهما موجبة في كهربتها ، والثانية سالبة في كهربتها ، فإذا احتكتا تولدت الشرارة فكان البرق ، ومن هنا الاحتكاك كان صوت وهو الرعد ، وهذا دليل على غزارة المطر ، وكثرة انهماره ، ثم ذكر بعد ذلك آية أخرى فقال :
يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ
( 44 ) .
بعد أن ذكر سبحانه وتعالى قدرته وإنعامه على خلقه بالماء ، بين نعمته في الليل والنهار ، فقال :
يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ
والتقلب معناه أن يجعل أحدهما في موضع قلب الآخر ، وتقليب الليل والنهار يبدو في أمرين :
أولهما : في أن يكون الليل والنهار خلفة ، فيكون أحدهما خلفة للآخر ، فيسلخ الليل من النهار ، والنهار من الليل في نظام مستمر .
ثانيهما : أن يكون النهار أطول صيفا ، وأن يكون الليل أطول شتاء ، في نظام مستمر لا يتخلف ، قد يفسر العلم ظواهره ، ولكن لا يستطيع تغييره ولا إنشاءه ، فالعلم يحصى الوقائع ، ولا يوجدها ، ذلك تقدير العزيز العليم ، ولذا قال تعالى :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ
العبرة في مدلولها الخاص بمعنى الاعتبار ، والمؤدى لها أن تأخذ من الحاضر المشاهد دلالة على الغائب غير المشاهد ، فيأخذ المستبصر من رؤية تقلب الليل والنهار ، وانتظامه بإحكام ودوامه دليلا على أن إرادة حكيمة متصرفة تفعل ذلك بتدبير وإحكام ، وخص أولى الأبصار بالعبرة ؛ لأنهم يدركون