الاستفهام في
أَ لَمْ تَرَ
، إنكاري بمعنى النفي مع التنبيه إلى الحقائق لإدراكها ، وهو داخل على نفى ، وهو « لم » ، ونفى النفي إثبات ، والمعنى : قد رأيت أن اللّه يسبح له من في السماوات والأرض ، ومعناها يقدسه ويخضع له ويسجد ، أما تسبيحه فلأنه يدل على كمال اللّه تعالى ، وتنزيهه عن مشابهة الحوادث ، وأنه واحد أحد ، وأنه صمد ليس بوالد ولا ولد ، وأما السجود ، فهو الخضوع الكامل لله تعالى .
والتعبير ب
( مَنْ )
في قوله تعالى :
يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ
مع أن فيها ما لا يعقل ؛ فلأنها كلها في دلالتها على التسبيح أقيمت مقام العاقل ؛ ولأن فيها عقلاء وغير عقلاء ، غلّب في البيان العقلاء ؛ لأنهم أعلى مكانة من غيرهم كالملائكة ، فإنهم أعلى من غيرهم ، ومثل ذلك عقلاء الإنس والجن المهديون ، وغيرهم .
وَالطَّيْرُ
لما فيها من إعجاز من أنها تطير ، وتسير في الفضاء من غير أن يكون سيرها على أجرام جامدة تتحمل ما يسير عليها ، بل هي تسير من غير جرم جامد ثقيل تسير عليه ، ولذلك خصها بالذكر لفضل ما تدل عليه من إبداع في الخلق والتكوين ، حتى كانت موضع درس للإنسان فأراد أن يقلدها ، وتم له ما أراد فكانت الطائرات التي تقطع أجواز الفضاء ، وسبحان من خلق كل شيء من غير مثال سبق ، وقوله تعالى :
وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ
، أي تطير في الفضاء تسير صافات ، أي في صفوف متتالية ومتوازية ، الأجنحة وراء الأجنحة ، كما ترى في أسراب الحمام وغيرها من الطير من انتقالها من مكان إلى مكان متآخية منتظمة في صفوف ، وذلك من إلهام العلى الخبير لها ، والطير بالرفع عطف على
مَنْ
أي أن الطير تسبح ، كما يسبح كل من في السماوات والأرض ، وذكر مع ذلك إبداع اللّه تعالى خلقها ، وما ألهمها إياه ، وما سخر لها من فضاء بالسير لمسافات .
إن فاعل ( علم ) يعود على اللّه تعالى أي كل فريق وطائفة ، وخلق من خلقه - علم اللّه تعالى صلاته وتسبيحه ، وقالوا : إن الصلاة تكون من العقلاء المهديين ، والتسبيح بالخضوع والدلالة بالخلق والإبداع يكون من غير المهديين وغير العقلاء فهم في صفهم ، فهم كالأنعام ، بل أضل سبيلا .