مع أنها يده ، وأخرجها من جيبه ، والعلم بها متحقق ؛ لأنها يده ، وبعمله أخرجها ، ومن مكانه في ثيابه التي يلبسها ، ومع ذلك لا يكاد يراها .
وخلاصة هذا التشبيه أن اللّه تعالى شبه حال الكافر في أفعاله التي تدفعه إلى الباطل ، وهي في ذاتها باطل ، وإن الباطل يدفع إلى باطل ، فهو قد أشرك ، وكان الشرك كبحر لجيّ ، ويدفع إلى أمواج من الباطل متكاثفة ويكون فوقها بسبب الشرك غمة تجعله في ظلام دائم ، حتى يصبح غير مفرق بين حق وباطل ، وتنسدّ عليه مسالك الإدراك ، كما يسد على البصير النور في الغمام ، والأمواج واللجج .
وإن هذا التشبيه يصور لنا حال المشرك كيف تتكاثف عليه ظلمات الباطل ، فالشرك يكون كلجة دخل بها في بحر من الباطل لا حدود له ، وكلما أوغل فيه ازداد إعتاما ، وهكذا تتضافر أسباب إظلام الأمور على العقل ، فكلما خطا خطوة انسد عليه باب الإدراك انسدادا ، تبتدئ بعبادة غير اللّه ، ثم بالذبح لغير اللّه ، ثم بتحريم ما أحل اللّه وإسناد التحريم ، ثم باستباحة ما حرم اللّه من الخمر وأكل الخنزير ، وأكل الموقوذة ، والنطيحة ، والميتة ، وهكذا تتكاثف الظلمة ، حتى لا يرى حقا ، ولا باطلا ، ويكون لمن إذا أخرج يده لم يكد يراها ، وختم اللّه الآيتان بقوله تعالى
وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ
، وهذا في مقام التجريد للتشبيه ؛ لأنه مناسب للمشبه به ، وليس بمناسب للمشبه لأن المؤدي ،
وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً
يؤديه إلى الحق ، كما كان من المشركين الذين أدت أفعالهم إلى ظلمات متكاثفة ،
فَما لَهُ مِنْ نُورٍ
كان تشبيه ظلمات الكفر بالبحر اللجى ، والذي يعلوه ويستره موج من فوقه موج من فوقه سحاب ، موعزا إلى التفكير في تكوين السحاب ونزول الأمطار ، وبذلك الإيعاز الفكري الذي يكون من آية إلى معاني تالية ، ترتبط آيات القرآن الكريم فيكون بعضها آخذا بحجز بعض في ارتباط عقلي نفسي ، ولذا عقب هاتين الآيتين ببيان تسبيح الطير في السماء فقال عزّ من قائل :
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ
( 41 ) .